كان يمكن لخبر الحكم بإعدام بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب وفهد جاسم الفريج أن يبتلع كل ما عداه بالنسبة إلى سوريين كثيرين. لم يكن الخبر مجرّد حكم قضائي، بل لحظة طالَ انتظارها منذ سنوات؛ أن يقف رجال النظام الذي حكم البلاد لعقود أمام محكمة، وأن تتحول أسماء كانت مرتبطة بالسلطة المطلقة إلى أسماء في ملفات اتهام وأحكام قضائية. لكنّ المفارقة أنّ هذا الحكم صدر في اليوم نفسه الذي كان فيه لبنان يسير في الاتجاه المعاكس تماماً. في 11 آب/أغسطس، أقرّ مجلس النواب اللبناني إلغاءَ عقوبة الإعدام، في خطوة تضع نهاية قانونية لعقوبة الموت. وفي اليوم ذاته، اعترضت منظمة العفو الدولية على أحكام الإعدام السورية، من دون أن تعترض على مبدأ محاسبة مسؤولي النظام السابق. ثلاثة أحداث في يوم واحد، تبدو متناقضة لكنها تضع سؤالاً واحداً أمام سوريا: هل تحتاج العدالة إلى المشنقة؟
ليس السؤال هنا إن كان بشار الأسد يستحق العقاب. من الصعب أصلاً أن تُناقش جرائم نظامه بمنطق التساهل. السوريون لا يحتاجون إلى تذكيرهم بما يعنيه الاعتقال والتعذيب والقتل والتهجير، ولا يحتاج أهالي الضحايا إلى درسٍ أخلاقي عن التسامح مع من تسبب لهم بكل ذلك. لكن هناك فرقاً بين أن نقول للضحية: "لقد حاكمنا من ظلمك"، وأن نقول لها: "لقد قتلناه".
الأولى تعني أنّ الدولة بدأت تستعيد القانون من يد السلطة التي احتكرته لعقود. أما الثانية فتطرح سؤالاً عن طبيعة الدولة التي نريد بناءها بعد سقوط النظام. فحين تكون الدولة الجديدة بصدد محاكمة رأس النظام الذي حكمها، لا تعود العقوبة شأناً يخص المحكوم وحده. تصبح جزءاً من تعريف الدولة لنفسها. هل تريد أن تقول إنّ زمن القتل السياسي انتهى، أم أنّ القتل يصبح مشروعاً حين يكون القاتل هذه المرة هو من يقف في الجهة الأخرى من قفص الاتهام؟ هذا لا يعني أنّ حق بشار الأسد في الحياة أهم من حق ضحاياه في العدالة. لكنه يعني أن ّالعدالة التي نريدها للضحايا يجب ألا تكون بالضرورة قتلاً باسمهم.
قد يشعر الضحية بأنّ إعدام الجاني يعيد إليه شيئاً من كرامته. وهذا شعور مفهوم. لكن المشنقة لا تجيب عن الأسئلة التي بقيت معلقة في آلاف البيوت السورية: أين ابني؟ من أصدر الأمر؟ من نفذه؟ أينَ الجثة؟ من أخفى الأدلة؟ من كتبَ التقارير؟ ومن كان يعرف؟
الإعدام قد ينهي حياة المتهم، لكنه لا يعيد حياة الضحية، ولا يكشف وحده كيف اشتغلت المنظومة التي أنتجت الجريمة. وهنا تحديداً تصبح العدالة أكبر من العقوبة.
منظمة العفو الدولية، التي وثقت لسنوات انتهاكات نظام الأسد وطالبت بمحاسبة المسؤولين عنها، لم تقل إنّ بشار الأسد بريء ولم تطلب إعفاءه من المحاسبة. موقفها من الإعدام ينطلق من مبدأ أوسع: أنّ أخطر الجرائم لا تصبح أقل خطورة إذا كان مرتكبها سيئاً إلى الحد الذي يجعل قتله يبدو عدالة. قد يبدو هذا الموقف مستفزاً للسوريين الذين عاشوا تحت وطأة النظام. لكنه يطرح سؤالاً ضرورياً: إذا كانت الدولة الجديدة تريد أن تكون مختلفة عن الدولة القديمة فهل يكفي أن تغيّر أسماء السجون والمحاكم، أم عليها أيضاً أن تغيّر مفهوم العقوبة نفسه؟
وهنا بالضبط تصبح المقارنة مع لبنان أكثر إثارة. لبنان الذي يحمل بدوره تاريخاً ثقيلاً من الحروب والاغتيالات والإفلات من العقاب، اختار في اليوم نفسه أن يقول إن الدولة تستطيع أن تعاقب من دون أن تقتل. لا يعني ذلك أنّ لبنان أصبح نموذجاً للعدالة، ولا أن سجلهُ في المحاسبة خالٍ من الثقوب. لكنه اتخذ موقفاً واضحاً من عقوبة الموت. في المقابل، اختارت سوريا الإعدام في واحدة من أولى اللحظات الكبرى التي تختبر فيها شكل عدالتها بعد سقوط النظام. ربما لهذا السبب لا ينبغي النظر إلى الحكم باعتباره نهاية القصة، بل بداية سؤال أكبر.
هل يمكن أن تتحول العدالة الانتقالية إلى انتقام انتقالي؟ الانتقام يريد أن ينتهي الأمر. العدالة تريد أن تفهمه. الانتقام يريد أن يدفع الجاني الثمن. العدالة تريد أن تحدد المسؤولية، وتوثق الجريمة، وتنصف الضحية، وتمنع تكرارها. الانتقام ينظر إلى الشخص. العدالة تنظر إلى النظام الذي سمح بالجريمة. وهذا هو الفارق الذي تحتاج سوريا إلى ألا تخسره وهي تحاكم رجال النظام السابق، لأن الخطر ليس في أن يعاقب بشار الأسد، بل في أن تختصر سوريا كل العدالة في مصيره. أن يصبح إعدامهُ خاتمة مريحة لملف طويل، فيما تبقى الأسئلة الأهم معلقة: كيف عملت أجهزة النظام؟ من شارك؟ من أمر؟ من موّل؟ من تستر؟ ومن يضمن ألاّ تعود المنظومة نفسها بأسماء جديدة؟
سوريا لا تحتاج فقط إلى حكم قاسٍ بل إلى حكم يصعب على التاريخ نفسه الطعن فيه. تحتاج إلى محاكمات لا تُبنى على غضب اللحظة، بل على أدلة ومسؤوليات واضحة وإجراءات يمكن الدفاع عنها حتى بعد أن تهدأ الشوارع. فالدولة لا تُختبر حين تحاكم شخصاً محبوباً، بل حين تحاكم شخصاً يكرهه معظم سكان البلاد. هناك تحديداً يصبح القانون امتحاناً حقيقياً.
ربما كان سهلاً أن تسقط سوريا بشار الأسد. الأصعب هو أن تتعلم كيف تحاكمه من دون أن ترث منطقه. في 11 آب، كانت بيروت تلغي عقوبة الإعدام، وكانت دمشق تصدر أحكاماً بها، وكانت منظمة العفو الدولية تذكّر بأن المحاسبة ليست مرادفاً للموت. لم تكن تلك مجرد مصادفة في التقويم بل كانت مرآة. والسؤال الذي تركته أمام سوريا ليس: هل يستحق بشار الأسد الموت؟ بل سؤال أكثر قسوة: هل تريد سوريا أن تنتقم من بشار الأسد، أم أن تنتصر على الطريقة التي حكم بها بشار الأسد؟
لأنّ إعدام رجل قد يكون نهاية حياته، لكن العدالة الحقيقية تبدأ عندما يصبح موته أقل أهمية من أن تعرف البلاد لماذا قُتل الآخرون، وكيف، وبأمر من، وكيف يمكن ألا يتكرر ذلك.
إسقاط الأسد كان نهاية رجل، أما العدالة فهي اختبار دولة.




