"قد يَصدقُ الخصمُ في إنصافِ مظلمةٍ
ويخذلُ المرءَ أحيانًا ذوو القُرَبِ".
قبل أسابيع، أثارت المقابلة التي أجراها الإعلامي المصري إيهاب قاسم مع الصحافي الإسرائيلي المعروف جدعون ليفي، جدلًا واسعًا في مصر، وانتهت بإزالة المقابلة من منصات القناة، وإحالة المذيع إلى التحقيق، ووقف ظهوره الإعلامي مؤقتًا، بعد اعتراضات واسعة على الاستضافة نفسها، إضافة إلى الجدل الذي أثارته بعض تصريحات ليفي حول سيناء. ومن زاوية سياسية وإعلامية، فإن لهذه الواقعة دلالة تتجاوز الشخصين نفسيهما، لأنها تثير سؤالًا مهمًا هو: ماذا تقول هذه الرسالة لأولئك الإسرائيليين الذين يعارضون سياسات حكوماتهم ويجاهرون بانتقاد الاحتلال والحرب؟
ما زالت حتى اليوم قضية عيد العمال في يافا سنة 1921 تتردد في أوساط من بقي من اليساريين القلائل في إسرائيل. في تلك الحادثة، هرب يساريون يهود من بطش يمينيين عنصريين يهود أثناء اصطدام مظاهرتين بمناسبة عيد العمال. لجأ اليساريون إلى التجمعات العربية، علهم يجدون ملاذًا هناك، فكان نصيبهم أسوأ من بطش اليهود المتعصبين. بقيت تلك الحادثة درساً يردده اليهود لمن تعاطف مع الفلسطينيين.
ليست كل المجتمعات متشابهة، وليست كل الدول كتلة واحدة من المواقف. فداخل إسرائيل نفسها يوجد صحافيون وأكاديميون وحقوقيون يعارضون سياسات حكوماتهم بدرجات متفاوتة. ومن أبرز هؤلاء الصحافي الإسرائيلي جدعون ليفي، كاتب صحيفة هآرتس، الذي أمضى عقودًا ينتقد الاحتلال، ويدعو إلى إنهائه، وينتقد الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون، حتى أصبح هدفًا دائمًا لهجمات اليمين الإسرائيلي واتهامات الخيانة. ولهذا، فإن منع المقابلة أو معاقبة من أجرى المقابلة ومنعها من التداول، لا يُفهم فقط بوصفه رفضًا للتطبيع الإعلامي، بل قد يُقرأ أيضًا باعتباره رسالة إلى كل إسرائيلي يخرج عن الرواية الرسمية لحكومته. فالنتيجة العملية تبدو وكأنها تقول: "حتى إذا عارضتم حكومتكم، وحتى إذا دافعتم عن حقوق الفلسطينيين، فلن تجدوا من يستمع إليكم في الطرف الآخر." وهذه رسالة قد تكون لها آثار تتجاوز الحدث نفسه.
لماذا يحتاج الفلسطينيون إلى الأصوات المعارضة داخل إسرائيل؟
التغيير السياسي لا يأتي عادة من الخارج وحده. إذ شهد التاريخ أن التحولات الكبرى احتاجت دائمًا إلى وجود معارضة داخل المجتمع نفسه. ففي جنوب إفريقيا لم يكن إنهاء نظام الفصل العنصري نتيجة ضغط دولي فقط، بل شارك فيه أيضًا بيض جنوب أفريقيا، الذين رفضوا الفصل العنصري. وفي الولايات المتحدة لم تتحقق حركة الحقوق المدنية بفضل السود وحدهم، بل ساهم فيها ملايين الأميركيين البيض، وعلى رأسهم النخب اليهودية الأميركية، الذين رفضوا التمييز العنصري. والأمر نفسه ينطبق على أي نزاع طويل. فإذا كان الهدف النهائي هو إنهاء الاحتلال أو الوصول إلى تسوية عادلة، فإن وجود أصوات إسرائيلية تعترف بمعاناة الفلسطينيين يمثل عنصرًا مهمًا في تغيير الرأي العام الإسرائيلي. وقد لا تكون هذه الأصوات كثيرة، لكنها تظل ذات قيمة لأنها تصدر من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
لا شك أن كثيرين في العالم العربي ينظرون بحساسية شديدة إلى استضافة شخصيات إسرائيلية، خصوصًا في ظل الحرب والدمار وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا الفلسطينيين.وهذه الحساسية مفهومة سياسيًا وأخلاقيًا. لكن يبقى من المشروع التمييز بين نوعين مختلفين من الخطاب.الأول هو منح منصة لمسؤول يبرر الحرب أو يدافع عن الاحتلال أو ينكر معاناة الفلسطينيين. أما الثاني، فهو استضافة شخصية إسرائيلية تنتقد سياسات حكومتها وتصفها بأنها كارثية أو غير أخلاقية. والجمع بين الحالتين في حكم واحد قد يؤدي إلى نتائج معاكسة للمقصود. فالحوار مع صوت ناقد لا يعني تبني مواقفه كلها، ولا يعني بالضرورة التطبيع معه، بل قد يكون فرصة لإظهار أن النقد موجود حتى داخل المجتمع الإسرائيلي.
ماذا يرى الإسرائيلي المعارض؟
تخيل صحافيًا إسرائيليًا يخسر جمهوره داخل إسرائيل لأنه ينتقد الحرب. ثم يكتشف أن الإعلام العربي أيضًا يغلق أبوابه أمامه. أي استنتاج سيصل إليه؟ قد يشعر بأن لا أحد يريد سماع صوته، وأن معارضته لا قيمة لها. وفي المقابل، سيستنتج كثير من الإسرائيليين أن المشكلة ليست في سياسات حكومتهم، بل في كونهم إسرائيليين فحسب. وهذا الاستنتاج يخدم التيارات المتشددة التي تقول دائمًا إن العالم لن يفرق بين الإسرائيلي المعتدل والمتطرف.
وحين تختفي الأصوات النقدية الإسرائيلية من الإعلام العربي، يصبح المشهد أكثر استقطابًا.في إسرائيل، يحتكر اليمين الخطاب الداخلي. وفي العالم العربي، يختفي الإسرائيلي الذي يعارض هذا اليمين.وبذلك يفقد الجمهور العربي فرصة الاطلاع على حجم الجدل القائم داخل إسرائيل نفسها، كما يفقد الجمهور الإسرائيلي دليلًا على أن العرب يميزون بين الحكومة ومعارضيها. وفي النهاية، يستفيد أصحاب الخطابات الأكثر تشددًا على الجانبين.
وظيفة الإعلام ليست منح البراءة لأحد، ولا إصدار أحكام سياسية، بل طرح الأسئلة واختبار الروايات المختلفة. وكان بالإمكان إجراء مقابلة مع جدعون ليفي تتسم بالصرامة، ومواجهته بالأسئلة الصعبة، والاعتراض على ما يقوله، بل وتفنيد أخطائه إذا وردت، بدل أن تتحول القضية كلها إلى مسألة تتعلق بمجرد الاستضافة. فالصحافة لا تقاس بمن يُستضاف فقط، وإنما بكيفية إدارة الحوار.
إن الثقة بعدالة أي قضية تظهر عندما تكون قادرة على مواجهة الرأي الآخر بالحجة، لا عندما تمنعه من الكلام. وهذا لا يعني إعطاء منابر للدعاية أو للتحريض، وإنما التمييز بين من يدافع عن الانتهاكات ومن ينتقدها. ومن هنا فإن الإنصات إلى الأصوات الإسرائيلية المعارضة لا ينتقص من عدالة القضية الفلسطينية، بل قد يعززها، لأن هذه الأصوات تقدم شهادات من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه يصعب اتهامها بالعداء المسبق لإسرائيل.
قد يختلف الناس حول قرار منع المقابلة أو حول ملاءمة توقيتها، لكن السؤال الأهم يبقى: ما الرسالة التي تصل إلى الإسرائيلي الذي يختار أن يعارض حكومته؟ إذا شعر هذا الشخص بأن الأبواب مغلقة أمامه من جميع الجهات، فقد يتراجع تأثيره داخل مجتمعه، أو يقتنع آخرون بأن المعارضة لا جدوى منها. أما إذا وجد أن مواقفه تُناقش وتُحاور وتُنتقد، لكنها لا تُرفض لمجرد هويته، فإن ذلك قد يشجع مزيدًا من الأصوات على كسر الإجماع داخل إسرائيل.إن الصراع لا يُحسم فقط بالسلاح أو بالسياسة، بل أيضًا بالأفكار وبالقدرة على بناء تحالفات أخلاقية عابرة للهويات. ولذلك، فإن التمييز بين الدولة وسياساتها، وبين الأفراد الذين يعارضون تلك السياسات، ليس تنازلًا عن المبادئ، بل قد يكون جزءًا من استراتيجية أكثر حكمة في دعم العدالة والسلام.
أنا شخصيًا عندما بدأت أتابع جدعون ليفي منذ أكثر من عقد، تمنيت لو كان بين العرب، خصوصاً بين الفلسطينيين من يدافع عنهم مثله، وقلت إن أفضل من يرأس دولة فلسطين هو ذاته، جدعون ليفي. ولعل ما نُسب إلى دانتي يختصر المسألة: "إن أشد الأماكن حرارة في الجحيم محجوزة لأولئك الذين يحافظون على حيادهم في أوقات الأزمات الأخلاقية". قد لا تكون العبارة من كلمات دانتي حرفيًا، لكنها تختصر منطقه الأخلاقي: ففي لحظة الظلم، يصبح اتخاذ الموقف الأخلاقي قيمة في ذاته.




