قضية مقتل الطفلة نور مهند الدوس قبل أيام في درعا، ثم العثور بعدها على الطفلة علا خميس صالح الخميس، ذات الأعوام الثلاثة، مقتولة خنقاً في بلدة البوعمرو شرقي دير الزور واختطاف وعد الكردي وإنكار اختطافها، وغيرها من الحوادث التي تستهدف الأطفال، ليست إلا مؤشر صارخ على عجز منظومة الحماية القانونية والاجتماعية في سوريا. وإن دماء طفلتين خلال أيام قليلة تكفي لتقول لنا إن الأطفال يعيشون في بيئة لا توفر لهم الحدّ الأدنى من الأمان، وإن الدولة والمجتمع معاً فشلا في أداء واجب الحماية قبل أن تتحول القصص إلى نعوات متأخرة.
الغضب الشعبي الذي رافق جريمة نور اتجه مباشرة نحو القضاة، كأن المشكلة تختصر في قرار قضائي فردي. هذا التركيز الانتقائي مفهوم ويريح الضمير العام، لكنه لا يغيّر شيئاً، لأن القاضي يعمل داخل منظومة قانونية واجتماعية هي التي تحدد حدود سلطته، وتفرض عليه إجراءات شكلية لا تملك القدرة على حماية طفل مهدد. القاضي لا يصوغ القانون الأسري، ولا يقرر شكل البيئة المحلية، ولا يملك تغيير الأعراف التي تجعل النساء والأطفال في موقع ضعيف، بل يعمل ضمنها. وتغييره لن يغيّر شيئاً في بئية وبنية ترى النساء والأطفال أفراداً ناقصي الأهلية.
المشكلة البنيوية الحقيقية تكمن في القوانين التي تنظّم الأسرة والحضانة والولاية، التي ما زالت تعمل بمنطق يضع الأم في موقع هشّ ويمنح الرجل سلطة شبه مطلقة على مصير الأطفال. فالحضانة تُسقط عن الأم بمجرد زواجها، والولاية تُربط حصراً بالأب، ما يحوّل الأطفال إلى أدوات ضغط داخل النزاعات الأسرية ويعيدهم إلى بيئات قد تكون خطرة. هذه البنية القانونية لا تحمي الأطفال، بل تُعيد إنتاج الخطر وتفتح الباب أمام تكرار المأساة.
وإلى جانب النصوص القانونية، تعمل المنظومة الإجرائية كحاجز يمنع أي تدخل فعّال. فالقوانين تُطبَّق عبر إجراءات شكلية بطيئة، ومرجعيات متعددة تشتت المسؤولية، وآليات تنفيذ عاجزة عن التدخل الفوري. حين تُبلّغ أم عن آثار عنف على جسد طفلتها، يجب أن تتوقف كل الإجراءات الروتينية، وأن يُمنع إعادة القاصر إلى بيئة مشتبه بها حتى الانتهاء من التحقيقات المطلوبة. لكن ما حدث ويحدث غالباً هو العكس، حيث يُعاد الطفل إلى المكان ذاته، وتحفظ الشكوى في بيروقراطية لا ترى في العنف إلا ملفاً يمكن شطبه.
ولا يمكن فصل هذا كله عن غياب تشريع واضح للعنف الأسري، الذي يجعل النساء والأطفال معاً بلا مظلة حماية. فالأم التي تُجرّد من سلطتها القانونية لا تستطيع حماية طفلها مهما كانت إرادتها قوية، والنظام الذي يربط الولاية بالأب ويُسقط حق الأم بالزواج يضع الأطفال في دائرة الخطر. لذلكَ أصبح إصلاح منظومة العنف الأسري ضرورة لا تحتمل التأجيل باعتباره شرطاً أساسياً لحماية حياة الأطفال.
وأيضاً، لا يمكن تجاهل دور المناهج المدرسية والمؤسسات التعليمية والصحية في إنتاج هذا الخلل. فالمناهج التي تُعيد إنتاج صورة المرأة ككائن تابع، وتُقدّم الطفل بوصفه ملحقاً بالأسرة لا صاحب حق مستقل، تزرع منذ الصغر قبولاً ضمنياً للعنف وللسلطة غير المتوازنة داخل البيت. وكذلك المدرسة التي ترى مؤشرات الخطر ولا تُبلغ، والمركز الصحي الذي لا يوثّق الإصابات بطريقة مهنية، والجهات التنفيذية التي تشطب قرارات الزيارة من دون متابعة، كلها حلقات في سلسلة تسمح للعنف بأن يتكرر. ثقافة الخوف من الفضيحة ومحاولات التسوية داخل العائلة تجعل الضحية بلا صوت والجاني بلا مساءلة، بينما تستمر المؤسسات في العمل ضمن منظومة معرفية واجتماعية لا ترى المرأة والطفل كأفراد يجب أن تُحمى حقوقهم، بل كجزء من "الأسرة" التي يجب عدم المساس بها مهما كان حجم الخطر داخلها.
الإعلام بدوره يشكل جزءاً أساسياً من منظومة الحماية، لكنه غالباً يتحول إلى مساحة انفعالية لا تصنع معرفة ولا عدالة. فالتغطيات التي تعيد تجريم الضحية، أو تكشف هويتها، أو تنشر روايات غير محققة، لا تساهم في حماية الأطفال بل تزيد من ضعفهم. الإعلام القادر على التأثير هو الإعلام الذي يلتزم بقواعد مهنية واضحة تحمي هوية الضحايا، وتتحقق من المعلومات قبل نشرها وتمتنع عن تحويل الجريمة إلى مادة استهلاك سريع، وتضغط من أجل إجراء إصلاحات تشريعية وإجرائية تكفل حماية النساء والأطفال. دوره يجب ألا يبقى في إطار نقل الخبر، بل يجب أن يساهم في كشف الثغرات البنيوية ومساءلة المؤسسات، وإشراك المجتمع في حماية أضعف أفراده.
المطلوب اليوم لحماية أطفالنا ونسائنا هو إجراء تغيير جذري في البنية القانونية يبدأ بصياغة قانون للعنف الأسري يعرّف الأذى تعريفاً شاملاً يشمل الجسدي والنفسي والاقتصادي، ويقرّ أوامر حماية فورية قابلة للتنفيذ، ويمنع إعادة القاصر إلى أي بيئة مشتبه بها قبل انتهاء تحقيق مستقل طبي ونفسي وقضائي. قانون بلا استثناءات ولا أعراف تلتهم نصوصه.
كما يجب أيضاً مراجعة النصوص المتعلقة بالحضانة والولاية بحيث لا تُسقط حقوق الأم بالزواج، ومنحها صلاحيات مستعجلة لحماية أطفالها، مع مسارات قضائية سريعة تُحسم فيها النزاعات على أساس مصلحة الطفل الفضلى لا على قاعدة الوصاية الشكلية. لأن تمكين الأم قانونياً يعتبر جزءاً لا يتجزأ من حماية الأطفال.
وإلى جانب ذلك، يجب إعادة بناء شاملة للنظام التعليمي، بحيث يتم إدارج مناهج دراسية في كل المستويات التعليمية تُدرّس حقوق الطفل والمساواة بين الجنسين، وفرض بروتوكولات إلزامية في المدارس والمراكز الصحية للإبلاغ والتوثيق، وإجراء تدريب مهني للمعلمين والإداريين على قراءة الإشارات المبكرة للإيذاء والعنف، وإنشاء سجلات موحّدة تمنع طمس البلاغات، ووحدات حماية قادرة على التدخل خلال ساعات لا أسابيع. هذه الإجراءات تعد شروطاً أساسية لمنع تكرار ما حدث لنور وعلا.
مقتل نور وعلا هي مؤشر على عجز المنظومة القانونية، وإصلاحها بات ضرورة ملحة لحماية حياة الأطفال قبل أن تتحول قصصهم إلى نعوات متأخرة.




