تحالف مكة: فرصة أخرى مهدرة!

شادي لويسالأربعاء 2026/08/12
اتفاق مكة تحالف السعودية وتركيا وباكستان (Getty)
تململ خليجي من المظلة الأميركية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أسبوع واحد فصل بين الإعلان عن "التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، أو ما يمكن تسميته بـ"تحالف الرياض"، وبين الإعلان عن "إعلان مكة" وتحالفه الثلاثي بين المملكة السعودية وتركيا وباكستان. تبدو المملكة وحلفاؤها في عجلة لترتيب الأوراق أو ربما خلطها. ثمة تقاطعات بين التحالفين، المملكة في المركز منهما، ويتكرر اسمي حليفاتها غير العربيين في التحالفين. المجهود الدفاعي للإعلانين موجه ضد التهديدات التي تمثلها إيران وحلفاؤها في المنطقة، التحالف البحري ضد التهديدات الحوثية والتحالف الثلاثي يبدو وكأنه ضد إيران نفسها. التقاطعات بين الحلفين تشي بأنه لا يمكن اعتبارهما من التحالفات الاستراتيجية بل تحالفات تكتيكية قصيرة الأمد وموجهة نحو تهديدات بعينها.

 

اختيار الرياض للإعلان عن التحالف الأول ومكة لإشهار التحالف الثاني، قد يحمل دلالة التفريق بين الواقعي والرمزي. التحالف البحري يبدو أكثر عملية، بينما اتفاق مكة أقرب إلى إعلان نوايا أو هو إشهار للتضامن أخوي بين الدول الإسلامية الكبرى في العالم. لا يتوقع أحد أن تخوض تركيا أو باكستان حرباً ضد إيران، ولا أن ترد السعودية عسكرياً على المناوشات الحدودية الدورية بين الهند وباكستان. الدول الثلاث ليست معنية بالاشتباك عسكرياً مع إيران، على العكس، تتمتع كلا من إسلام آباد وأنقرة بعلاقات ودية معها، ومنذ إعلان اتفاق بكين في العام 2023 اتخذت طهران والرياض خطوات واسعة نحو تطبيع العلاقات، وصلت إلى مشاركة إيران في مناورات عسكرية سعودية في البحر الأحمر ضمت دولاً أخرى. 

وحتى وقت قريب، لم تبدو طهران معنية بمهاجمة السعودية أو غيرها من دول الخليج بشكل مباشر، حيث اعتمدت على حلفائها في المنطقة للقيام بالعمليات العسكرية. كان ذلك هو الحال، حتى أطلقت الحرب الأميركية-الإسرائيلية الغول من القمقم وبدأ تساقط الصواريخ والمسيرات الإيرانية من السماء الخليجية بشكل شبه يومي. اللافت أيضاً أن الدول الثلاث بذلت الجهود الأكبر لإقناع واشنطن بالتراجع عن شن موجات لاحقة من الهجمات ضد إيران، وتولت إسلام آباد علي وجه الخصوص جهود التوسط بين الولايات المتحدة وإيران للتوصل إلى وقف لإطلاق النار. 

 

أكثر ما يعبر عنه التحالف هو التململ السعودي والخليجي بالعموم، من المظلة الأميركية، والتي أثبتت أنها قد تكون جالبة للاضطرابات بقدر ما قد تكون صمام للأمان. لكن وفي الوقت ذاته، لا يمكن اعتبار التحالف خروجاً عن الخط الأميركي، فدول التحالف الثلاث حلفاء مقربون من واشنطن، وهذا لم يتغير، أما تقاسم الأعباء الدفاعية مع القوى الإقليمية فهو السياسة الخارجية المعلنة لإدارة ترامب. ولذا، يمكن تصور الاتفاق الثلاثي في هذا الإطار. لا يصوغ التحالف إذاً مواجهة مع إيران أو مع غيرها، ولا هو ابتعاد عن الفلك الأميركي، فما الذي يقوم به إذاً؟ 

 

لا حاجة للإجابة عن هذا السؤال. فالتحالف لا يتجاوز كونه عرض لواقع المنطقة وتعبيراً عن القلق الوجودي لدوله. مرة أخرى يعلن التحالف عن عدم قدرة العواصم العربية أو عدم رغبتها في بناء نظام إقليمي يعتمد على ترتيبات داخلية بينها. فبعد ما تكشفت هشاشة الضمانة الأميركية، تستدعى باكستان البعيدة كمظلة نووية، أما أنقرة التي كانت منافسة قبل سنوات قليلة، سعت الرياض وحلفاؤها آنذاك لإخراجها من المنطقة، فيعاد استدعاؤها اليوم كحليف، بل كضامن أيضاً. انهار التحالف ثنائي الرؤوس بين الرياض وأبو ظبي، ليتحول إلى مواجهة، أما الإعلانات المتكررة عن شرق أوسط جديد فتخرج بشكل دوري من واشنطن وتل أبيب بعد كل حرب مدمرة. يرغب الجميع في إعادة ترتيب الإقليم، وتفضي كل محاولة إلى المزيد من الاضطرابات. 

 

كان الربيع العربي ومن بعده السابع من أكتوبر، زلزالان ضربا البركة الراكدة للسياسة في المنطقة العربية، وأطلقا سلسلة من الحروب المدمرة فيها. في ما مضى من عقد ونيف، أهدرت كل فرصة للتعامل الجدي والجذري مع أزمات الإقليم، ديكتاتورياتها الداخلية واختلال توزيع الثروات بين مجتمعاتها ومعضلات البنى الاستعمارية القديمة والمعاصرة التي تحكم علاقات القوى بين دولها، وبالمثل لن تقود الترتيبات الأخيرة سوى إلى المزيد من الشيء نفسه. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث