لسنوات طويلة، انطلق معظم التحليل الاستراتيجي المتعلق بإيران من فرضية أساسية مفادها أن طهران تعمل ضمن مشروع توسعي مستمر، هدفه توسيع شبكة نفوذها الإقليمية وتعزيز حضورها في ساحات الشرق الأوسط المختلفة. وقد بُنيت هذه استناداً إلى مفهوم "الردع المتقدم" الذي اعتمدته الجمهورية الإسلامية منذ عقود، والقائم على نقل خطوط المواجهة بعيداً عن الأراضي الإيرانية عبر شبكة من الحلفاء والشركاء الإقليميين.
غير أن التطورات التي أعقبت حرب غزة، خصوصاً الضربات التي تعرّض لها محور المقاومة، وسقوط النظام السوري، وبعدها انتقال الصراع الإيراني الإسرائيلي من مستوى الحرب بالوكالة إلى مستوى الحرب المباشرة، ودخول الولايات المتحدة في حرب مع إيران لطالما تجنبتها، فرضت على صانع القرار الإيراني إعادة النظر في الكثير من المسلمات التي كانت تحكم رؤيته للأمن القومي الإيراني.
إعادة تعريف مفهوم الردع
على مدى عقود، خصوصاً بعد حرب العراق عام 2003، تعاملت طهران مع احتمال الحرب الأميركية- الإسرائيلية المباشرة باعتباره السيناريو الأخطر على الإطلاق. ولهذا السبب استثمرت بكثافة في بناء منظومة ردع متعددة الطبقات، جمعت بين القدرات الصاروخية، والحرب غير المتماثلة، وشبكة الحلفاء الإقليميين.
كان الهدف المركزي لهذه الاستراتيجية منع نقل المواجهة إلى الداخل الإيراني، وإقناع الخصوم بأن أي حرب ضد إيران ستتحول تلقائياً إلى حرب إقليمية مكلفة وواسعة النطاق. لكن المفارقة أن الحرب التي سعت إيران إلى تجنبها لعقود وقعت بالفعل. ومع ذلك، ورغم الخسائر العسكرية والبشرية، فإن الحرب لم تحقق الأهداف التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب أو بنيامين نتنياهو، مثل إسقاط النظام أو فرض استسلام سياسي شامل أو إنهاء الدور الإيراني في المنطقة.
وهنا، يكون التحول الأهم بالنسبة لإيران هو في إعادة تعريف مفهوم الردع نفسه. قبل الحرب، قامت العقيدة الأمنية الإيرانية على مبدأ "الردع المتقدم"، أما بعد الحرب المباشرة، فيبدو أن إيران توصلت الى استنتاج مختلف جذرياً: استطاع الخصوم تجاوز الطبقة الخارجية من الردع والوصول إلى الداخل الإيراني نفسه. وفي هذه الحالة، تصبح الأولوية تعزيز أدوات الردع المرتبطة بالدولة الإيرانية مباشرة، من قدرات صاروخية وبحرية وموقع جغرافي استراتيجي وأوراق ضغط متصلة بالأمن الإقليمي والطاقة العالمية، بدلاً من الاعتماد الحصري على الردع غير المباشر عبر الساحات الخارجية.
وفي نظريات الردع، لا يُقاس النجاح فقط بمنع الحرب، بل أحياناً بالقدرة على الصمود إذا وقعت. ووفق هذا المنظور، يمكن اعتبار أن إيران اجتازت أخطر اختبار أمن قومي واجهته منذ عقود. بقيت الدولة قائمة، ومؤسساتها استمرت في العمل، وشكّلت قدرة إيران على الردّ المتعدد سواء على القواعد الأميركية أو في مضيق هرمز مفاجأة للجميع.
استراتيجية إغلاق الجبهات
وهكذا، وبعد أن استطاعت إيران الصمود، باتت تحاول اللعب على عامل الوقت لمحاولة استنزاف قدرة الاقتصاد الأميركي والوضع السياسي الداخلي الأميركي، بما يدفع الرئيس دونالد ترامب إلى عقد صفقة شاملة في المنطقة، تشمل لبنان واليمن والعراق إضافة إلى الملف الإيراني.
ضمن هذه الرؤية يمكن القول إن الأولوية الاستراتيجية الإيرانية باتت في استثمار نتيجة الصمود عبر الانتقال إلى مرحلة تثبيت المكتسبات وإخراج إيران ومعها أطراف المحور من الحروب المستمرة. بمعنى آخر، قد تكون الحسابات الإيرانية الحالية قائمة على المقولة التالية: لقد حدثت الحرب التي كنا نخشاها، ولم تحقق أهدافها القصوى، ولذا، فإن مصلحتنا باتت تكمن في استثمار أوراق القوة لدينا للضغط لإغلاق الجبهات المفتوحة في الإقليم.
من هذا المنطلق، يصبح إدراج لبنان ضمن مذكرة التفاهم بين الأميركيين والإيرانيين والتعهد بـِ "عدم اعتداء متبادل" محاولة لتحويل النفوذ الإيراني من صيغة عسكرية عالية الكلفة إلى صيغة سياسية أكثر استدامة وأقل عرضة للاهتزاز. وإذا ما نظرنا إلى الوضع اليمني، نجد أن التوتر الذي عاد فجأة إلى الواجهة قد يكون مرتبطاً أيضاً بأن الحل الشامل في الإقليم يجب أن يشمل إنهاء الحرب اليمنية، ضمن الاستراتيجية الأوسع لإغلاق جميع ملفات النزاع المفتوحة.
وعلى هذا الأساس، يمكن تفسير السلوك الإيراني الحالي بالانتقال من منطق "التوسع" إلى منطق "المحافظة الاستراتيجية". ويُقصد بالمحافظة الاستراتيجية ليس الانكفاء أو التخلي عن النفوذ، بل الانتقال من توسيع النفوذ إلى حماية ما تبقى منه، وخفض كلفة الحفاظ عليه، وتحويله تدريجياً من أداة عسكرية إلى ورقة سياسية. فالضربات التي تلقاها المحور لا تعني ان الحلفاء فقدوا قيمتهم الاستراتيجية، وإنما تغيّر الدور الذي يؤدونه. فبدلاً من أن يكونوا خطوط الدفاع الأولى عن إيران ورأس حربة في مشروع نفوذ إقليمي، قد يصبحون جزءاً من منظومة توازن إقليمي جديدة تسعى إيران من خلالها إلى تثبيت مواقعها وتحويل نفوذها العسكري إلى نفوذ سياسي قابل للاستدامة.
وعليه، إذا كانت مرحلة ما قبل الحرب قد قامت على توسيع الهوامش الاستراتيجية وبناء شبكات النفوذ، فإن مرحلة ما بعدها قد تقوم على تثبيت التوازنات، وإدارة النفوذ بكلفة أقل، وتحويل أوراق القوة العسكرية إلى أوراق تفاوض سياسي.
ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت إيران ستنجح في تحويل مرحلة ما بعد الحرب إلى فرصة لإعادة ترتيب توازنات الإقليم، أم أن ضغوط الصراع ستدفعها مجدداً إلى منطق المواجهة المفتوحة. إلا أن المؤكد أن النقاش حول الدور الإيراني لم يعد يدور حول التمدد، بل بات يتعلق أيضاً بكيفية إدارة النفوذ والحفاظ عليه في مرحلة ما بعد الحرب المباشرة.




