نال اتفاق مكة الدفاعي اهتماماً مستحقاً، فلكلّ من الدول الثلاث، السعودية وتركيا وباكستان، ثقل مكمِّل لما لدى الاثنتين. السعودية بحجمها المالي ومكانتها العربية، وتركيا باقتصادها المتطور، بما في ذلك الصناعات العسكرية المتطورة مؤخراً إلى جانب واحد من جيوش الناتو القوية، ثم القوة النووية الباكستانية. ولا يصعب الانتباه إلى دوافع الأطراف الثلاثة وراء الاتفاق، فالسعودية تريده ضد الخطر الإيراني، وباكستان تريده رداً على العلاقة الوطيدة بين الهند وإسرائيل، وتركيا تريده لتحجيم القوة الإسرائيلية أولاً ومن ثم الإيرانية.
الاختصار السابق يلحظ الهواجس المباشرة للموقعين على الاتفاق، لكن التعاطي معه على هذا المستوى يُفقده مراميه الأبعد، خصوصاً مع التشكيك إزاء وضعه قيد التنفيذ في حال تعرّضت مثلاً السعودية لهجمات إيرانية ضمن الحرب الحالية. ولعل الاشتباك الأكبر، غير العسكري بالضرورة، متصل بالمرمى الأبعد وهو دفن التوازن الإقليمي الذي كان قائماً على الثلاثي: إيران وتركيا وإسرائيل. وهو الثلاثي الإقليمي الذي طبع ربع القرن الأخير بتنافسه، وبالتنسيق بين أطرافه على نحو مباشر أو غير مباشر.
اليوم يلزم الكثير من الجرأة للزعم بأن طهران لم تفقد مكانتها الإقليمية، ومكانتها ضمن الثلاثي الإقليمي السابق. ويمكن ملاحظة تراجع العلاقات التركية-الإسرائيلية على أرضية التنافس على وراثة "الرجل الإيراني المريض"، والمثال السوري واضح لجهة النفوذ التركي في دمشق بعد إسقاط الأسد، والوجود العسكري الإسرائيلي جنوباً. انتهى التوازن السابق، الآتي من التنافس لا التحالف، من دون وجود قسمة نفوذ جديدة مستقرة.
نشير إلى أن المنطقة العربية شهدت ثلاثياً عربياً، مكوناً من السعودية ومصر وسوريا، بعد حرب تشرين 1973، ثم استُعيد في التسعينيات لمناسبة الرد على غزو الكويت. ومع انفتاح المنطقة وانكشافها، انتهى زمن الترويكا العربية بسرعة مجدداً، وبرز التوسع الإيراني، وأيضاُ بدأ الانفتاح التركي على المنطقة العربية بوصفها مجالاً استراتيجياً حيوياً، خصوصاً في عهد حزب العدالة والتنمية الذي تزامن مع النهضة الصناعية. اقتراب حكومة حزب العدالة من المنطقة، مع تراجع الدفء في العلاقة مع إسرائيل، لم ينبع من أيديولوجيا الحزب الإسلامية، بقدر ما أتى من الفائض التركي الذي راح يبحث عن مجال حيوي، وكان لا بد من التنافس مع تل أبيب.
الاستياء الإيراني من الترويكا الجديدة مفهوم، بما أن الأخيرة تسعى إلى ملء الفراغ الذي خلّفه انسحاب طهران من بعض المناطق، وترقُّب انحسار لاحق للنفوذ الإيراني، ذلك في حال صمد اتفاق مكة ونجح حقاً في رسم سياسات استراتيجية مشتركة. لكن دون النجاح ما تراه إسرائيل في التحالف الجديد من منافس لها في المنطقة، لذا ستسعى بكل قوة إلى إفشاله. فبعد المجهود الحربي الذي بذلته إسرائيل ضد إيران، والتحريض عليها في أوساط واشنطن، من غير المتوقّع أن تدع ثمار جهودها ليقطفها ثلاثي مكة.
المعضلة الإسرائيلية هي في الاعتماد على التفوق العسكري، والاعتماد على القوة العسكرية لن يكون مفيداً وممكناً إلا في الحالات القصوى، وهذا مستبعد مع أركان التحالف الثلاثي. لكنه، في المقابل، قد يشجّع إسرائيل على التدخل في بؤر مشتعلة أو غير مستقرة من أجل إزعاج التحالف أو طرف من أطرافه، تحديداً في مناطق قد تشهد صراعاً على النفوذ.
التكهّنات حول توسيع التحالف الثلاثي تصطدم واقعياً بالعامل الإسرائيلي، فهناك بلدان مُستبعدة لأن ضمّها يخاطر بالاشتباك مع إسرائيل. سوريا مثلاً باتت ساحة للتدخل الإسرائيلي، ومن المستبعد أن تبرم معها أية دولة أخرى اتفاقية جادة للدفاع المشترك، وهو ما يصحّ على التحالف الثلاثي الذي لن يسعى إلى الحرب مع إسرائيل من البوابة السورية أو اللبنانية، في حال تغاضينا عن الإمكانيات الضعيفة للبلدين، التي لا تؤهّلهما اقتصادياً أو عسكرياً أو صناعياً للدخول بندية في اتفاقيات إقليمية.
ربما تكون مصر، بحجمها ورمزيتها الإقليمية، مرشَّحة للانضمام إلى النادي الجديد، أما توسيعه ليكون تكتلاً إقليمياً ضخماً فهو وصفة مجرّبة لتفريغه من الفعالية، على غرار العديد من التكتلات الكبرى الموجودة أصلاً في المنطقة أو بالشراكة معها. وإذا كانت الدول الثلاث تتطلع إلى قيادة إقليمية فمن المستبعد أيضاً أن تسعى إلى التوسعة، لأن الاحتفاظ به كنادٍ لـ"الكبار" يحقق وظيفته على نحو افضل لها.
بنظرة أشمل، يجوز القول إن الفراغ في المنطقة لا يقتصر على انحسار النفوذ الإيراني، فروسيا أيضاً فقدت مكانتها القديمة في سوريا، ومنها في البحر المتوسط، رغم بقائها بترتيبات جديدة مع السلطة الجديدة. ولا تُعرف آفاق السياسة الأميركية التي تتقلّب في المنطقة بين انكفاء عنها وتدخّل عسكري مباشر، لكن من المحتمل جداً أن تتغير السياسة الحالية بانتهاء ولاية ترامب، فنخلّف وراءها فراغاً وملفّات بحاجة لمعالجة كما حدث في العديد من التدخلات الأميركية.
ما سبق يجعل اتفاق مكة استجابةً منطقية لظروف إقليمية أعمق وأهم من التصدي للنفوذ الإيراني الآفل، فأعين قادة الدول الثلاث ليست على الحرب الحالية، وإنما على ما بعدها، ويجوز النظر إلى الاتفاق الدفاعي كإعلان عن انتهاء حقبة وبداية أخرى، حتى إذا فشل أهله لاحقاً في الاستجابة لمتطلبات الظروف الجديدة. هو إعلان نوايا تخص المستقبل، والشقّ المتعلق بالدفاع المشترك ليس أهم ما فيه، لأن المحكّ هو التنسيق في العديد من ملفات المنطقة وبؤرها غير المستقرة من ليبيا إلى السودان إلى اليمن إلى لبنان...
وما لم يلقَ التكتل الجديد مصير اتفاقيات نامت في الأدراج فستكون له أهمية تتجاوز أعضاءه، فهو سيفتح النقاش حول مستقبل المنطقة، وحول توزيع الأدوار فيها، وقسمة النفوذ ضمناً. التحالف، إذا كان جدياً، سيستفزّ قوى إقليمية أخرى، فلا يقتصر الأمر على إسرائيل، وقد تبرز تحالفات جديدة لم تكن في الحسبان من قبل، وربما تكون تحالفات الضرورة ليس إلا.
"ما الذي دفع قادة الدول الثلاث إلى التوقيع على الاتفاق؟"؛ سؤال من الضروري طرحه، لا من أجل فهم كواليس الإعداد له فقط، بل من أجل فهم ما يعرفه هؤلاء القادة من خلال تواصلهم مع دوائر صنع القرار الدولية، وتالياً الاقتراب من فهم ما قد يتمخّض عنه اليوم التالي في المنطقة. التفكير في هذا السؤال ضروري على نحو خاص للضعفاء الذين يعتقدون أنهم قد يربحون بالمراهنة المجانية على التغيرات المقبلة، من دون مساهمة لهم فيها. الفهم على الأقل ضروري، لأن غيابه مع الضعف وصفة لتكرار الكارثة.




