لم ينتظر إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، طويلاً قبل أن يعلّق على "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان. خاطب السعوديين قائلاً إن "اتفاقاً ورقياً" مع تركيا وباكستان لن يوفر لهم الأمن، تماماً كما لم توفره عقود من الاعتماد على الولايات المتحدة، ودعاهم إلى تغيير سياساتهم كي لا يضطروا إلى "التوسل للآخرين من أجل الأمن".
لكن هذا التعليق، بما فيه من نبرة استعلاء أكثر مما فيه من قراءة سياسية، اختزل تحولاً إقليمياً معقداً في صورة دولة تبحث عن "حامٍ" جديد.
وهو اختزال لا ينسجم مع طبيعة العلاقة التركية- الإيرانية، ولا مع الحسابات الباكستانية، ولا حتى مع اللغة التي استخدمتها الدول الثلاث نفسها في شرح الاتفاق.
وفي الاتجاه المقابل، قرأ عبد الرحمن الراشد الاتفاق بوصفه "حلفاً ضد طهران"، ورأى أن دخول تركيا وباكستان إلى جانب السعودية يقلب ميزان القوة في مواجهة إيران، ويضعها أمام ثلاث جبهات.
بين القراءتين شيء من الحقيقة، لكن أياً منهما لا يفسر وحده ما جرى في مكة.
فإيران حاضرة بالتأكيد في حسابات الاتفاق، وخصوصاً السعودية، ولا معنىً لإنكار ذلك في لحظة تواجه فيها المنطقة حرباً أميركية- إيرانية وتعيش دول الخليج تداعياتها المباشرة. لكن اختزال الاتفاق بإيران يفترض أن الدول الثلاث تتشارك تعريفاً واحداً للخطر، فيما توحي مصالحها ومواقفها بعكس ذلك. فالسؤال الأدق ليس: ضد من وُقّع اتفاق مكة؟ بل: لماذا وجدت ثلاث دول إقليمية كبيرة، تختلف في قراءة الأخطار، مصلحة مشتركة في بناء ردع جماعي؟
ثلاثة هواجس… ومصلحة واحدة
بالنسبة إلى تركيا، ليست إيران عدواً يستدعي إنشاء حلف عسكري لمواجهته. أنقرة وطهران تنافستا طويلاً في سوريا والعراق والقوقاز، لكنهما نجحتا في إبقاء تنافسهما تحت سقف يمنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة. وأظهرتا في محطات حساسة استعداداً لمراعاة هواجس الأمن الداخلي لدى الطرف الآخر، كما في الموقف الإيراني الرافض لمحاولة الانقلاب في تركيا عام 2016، وفي تعاملهما، بصورة مختلفة، مع النشاط المسلح الكردي على جانبي الحدود.
في المقابل، تصاعدت إسرائيل في الحسابات الأمنية التركية، ولا يتعلق الأمر بغزة وحدها، بل بما تعتبره أنقرة محاولة لفرض ترتيبات أمنية وسياسية جديدة بالقوة، وخصوصاً في سوريا. تركيا تريد سوريا موحدة قادرة على بسط سلطة الدولة، وتنظر بريبة إلى الاحتلال ومناطق النفوذ ومشاريع التفكيك، حتى بلغ الأمر بأردوغان إلى القول إن بيروت ودمشق وحلب جزء من الأمن القومي التركي.
أما باكستان فتصل إلى مكة من بوابة مختلفة. فالتوازن مع الهند هو المحدد الأساسي لعقيدتها الأمنية، فيما يضيف تطور العلاقات العسكرية والتكنولوجية بين نيودلهي وتل أبيب بعداً إضافياً إلى حساباتها. وفي الوقت نفسه، ليس من مصلحة إسلام آباد تحويل إيران، التي تتشارك معها حدوداً طويلة وحساسة، إلى جبهة غربية تضاف إلى هاجسها الهندي في الشرق.
تبقى السعودية، الأكثر تعرضاً لمفاعيل الصراع مع إيران. فقد اختبرت تمدد النفوذ الإيراني وصعود قوى مسلحة مرتبطة بطهران في اليمن والعراق وسوريا ولبنان، كما اختبرت حدود الاعتماد الكامل على الحماية الأميركية عندما تعرضت منشآت بقيق وخريص للهجوم عام 2019، خلال ولاية دونالد ترامب الأولى، من دون رد عسكري أميركي مباشر.
لكن إضعاف النفوذ الإيراني لا يعني تلقائياً نشوء توازن أكثر استقراراً إذا أدى، في المقابل، إلى فائض قوة إسرائيلي يسمح لتل أبيب بفرض إرادتها على محيطها.
وهنا تلتقي الطرق الثلاث: السعودية تنظر إلى إيران وإسرائيل وعدم اليقين في الحماية الخارجية؛ تركيا قلقة بصورة متزايدة من القوة الإسرائيلية، من دون أن ترغب في تحويل تنافسها مع إيران إلى حرب؛ وباكستان تنظر أولاً إلى الهند وعلاقتها المتنامية بإسرائيل.
ليست هذه وحدة في تعريف العدو، بل تقارب في تعريف المصلحة: ألا تبقى أي من الدول الثلاث منفردة أمام اختلالات القوة المتسارعة في المنطقة.
الردع الجماعي لا المحاور
عرّف أردوغان الاتفاق من خلال مفهوم "الردع الجماعي"، وشدد على أنه لا يستهدف أي دولة، وربطه بحق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة وبحل النزاعات بالحوار والدبلوماسية، وأعلن أنه مفتوح أمام انضمام "الدول الشقيقة".
وتحدثت اللغة الباكستانية الرسمية بدورها عن تعزيز الأمن والردع الجماعيين، فيما شدد الخطاب السعودي على أن الاتفاق لا يمثل محوراً عسكرياً أو كتلة طائفية أو دينية، إنما يهدف إلى بناء قدرات مستدامة تعتمد على الذات. وأضاف التوضيح التركي بعداً عملياً من خلال الحديث عن الصناعات الدفاعية والتدريبات العسكرية وتبادل التكنولوجيا. والأهم أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان كشف أن العمل على الاتفاق استمر سنتين وثمانية أشهر، وهذا ما يعني أن فكرته سبقت الحرب الحالية وتطوراتها، ولا يمكن اختزالها بردّ ظرفي عليها.
لذلك، فإن وصف الاتفاق بأنه "رد سني" على إيران يفوّت معناه السياسي، وإن كانت بعض الأصوات الرسمية الباكستانية تدفع باتجاه توسيعه ضمن إطار إسلامي أوسع، فمصالح الدول الثلاث جيوسياسية قبل أن تكون مذهبية، ولو كان المطلوب بناء محور سني ضد طهران، لكان من الصعب تفسير حرص تركيا وباكستان على علاقاتهما معها، أو إعلان أردوغان أن الاتفاق لا يستهدف دولة بعينها.
قبل نحو شهرين من توقيع الاتفاق، وفي حزيران الماضي، أتيح لي على هامش مؤتمر دولي أن أناقش مع شخصية سعودية واسعة الاطلاع رؤيتها لمستقبل المنطقة. كان جوهر ما سمعته واضحاً: أن محاولات الهيمنة في الشرق الأوسط فشلت وكانت كلفتها باهظة، وأن الاستقرار يحتاج إلى أمن جماعي يقوم على المشاركة لا المغالبة، واحترام سيادة الدول ومؤسساتها، وتحجيم القوى التي تعمل خارج إطارها، وإنهاء الاحتلال بجميع أشكاله.
وعندما حاولت لاحقاً تلخيص الفكرة بالقول إن تركيا وإسرائيل تمثلان مشروعين متنافسين لمستقبل المنطقة، جاءني تصحيح لافت: "لا أعتقد أن وضع تركيا وإسرائيل في جملة واحدة صحيح أو مفيد، خاصة أن مشروعهما مختلف. كما أن تركيا استطاعت أن تتأقلم مع مشروع الأمن الإقليمي التعاوني، أما إسرائيل فهي لا تزال تعمل من منطلق مشروع استعماري استيطاني قائم على الفصل العنصري لا يرى في تحقيق أمنه سوى اللجوء إلى القوة المفرطة وفرض الهيمنة العسكرية والاقتصادية".
هذه ليست وثيقة رسمية سعودية، لكنها تساعد على فهم منطق أوسع ظهر لاحقاً في اتفاق مكة: رفض الهيمنة لا يعني استبدال الهيمنة الإيرانية بهيمنة إسرائيلية.
فالمشكلة تكمن عندما يتحول التفوق لدى دولة ما إلى اعتقاد بأن القوة تمنح صاحبها حق إعادة تشكيل المنطقة. فإذا كان من غير المقبول أن تبني إيران نفوذها عبر قوى مسلحة تمتلك داخل دول عربية قراراً عسكرياً مستقلاً عن الدولة، فمن غير المقبول أيضاً أن تتحول مواجهتها إلى تفويض لإسرائيل باحتلال أراضٍ أو فرض وقائع جديدة بالقوة.
ومن هنا تصبح فلسطين جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي. فالمقاربة السعودية التي سمعتها كانت واضحة في أن السلام يبدأ بتجسيد الدولة الفلسطينية وتلبية الحقوق الفلسطينية العادلة، بما يمكن أن يفتح الباب أمام اندماج إقليمي شامل. ومن هذه الزاوية، يطرح اتفاق مكة، من دون أن يعلن نفسه بديلاً من "اتفاقات أبراهام"، تصوراً مختلفاً لترتيب الأولويات: بناء أمن إقليمي بين دول المنطقة أولاً، ثم فتح باب اندماج إسرائيل فيه على قاعدة لا يمكن تجاوزها، هي حل القضية الفلسطينية، لا جعل اندماج إسرائيل مدخلاً لبناء النظام الإقليمي. أي أن المطلوب، من المنظور السعودي، ليس إخراج إسرائيل من المنطقة، بل الانتقال من الاحتلال وفرض الأمر الواقع إلى الاعتراف والمصالح والأمن المتبادل.
والمبدأ نفسه ينطبق على إيران. فالأمن الجماعي المستدام لا يقوم على إضعافها أو إقصائها، بل يحتاج إلى إيران تتعامل مع جيرانها من دولة إلى دولة، ضمن قواعد تحترم السيادة، بدلاً من بناء النفوذ عبر مجموعات مسلحة داخل دول أخرى. وتصبح سوريا والعراق ولبنان، بهذا المعنى، ساحات اختبار لقدرة الدول على احتكار القرار الأمني والعسكري.
كما لا يقتصر الأمن على الجيوش والصواريخ. فامتداد الدول الثلاث من جنوب آسيا وبحر العرب إلى الخليج والبحر الأحمر والأناضول يجعل حماية الممرات والطاقة وسلاسل الإمداد جزءاً من مفهوم الاستقرار الإقليمي.
لا قطيعة مع أميركا… ولا اتكال كامل عليها
السعودية وتركيا وباكستان لم توقع الاتفاق من موقع العداء لواشنطن. تركيا عضو في "الناتو"، والسعودية تحتفظ بعلاقة استراتيجية عميقة مع الولايات المتحدة، وباكستان بتاريخ طويل من العلاقات الأمنية والعسكرية معها، كما يتمتع قادة الدول الثلاث بقنوات مباشرة مع الرئيس دونالد ترامب وإدارته.
وحرصت أنقرة على نفي أي تعارض بين الاتفاق والتزاماتها في "الناتو"، مؤكدة أنه لا يلغي الاتفاقات القائمة. فالدول الثلاث لا تبدو في صدد استبدال منظومة تحالفات بأخرى، بل إضافة طبقة إقليمية جديدة إلى شبكات أمنية قائمة أصلاً.
لذلك، فإن قراءة اتفاق مكة باعتباره بحثاً عن بديل من أميركا لا تقل تبسيطاً عن اعتباره حلفاً ضد إيران. الأدق أنه محاولة لتنويع ضمانات الأمن والتحوط من الاعتماد الكامل على مصدر واحد للقوة والحماية. والولايات المتحدة نفسها تطلب منذ سنوات من حلفائها تحمل قدر أكبر من مسؤولية أمنهم وتقاسم الأعباء معها.
وقد لا يكون اتفاق مكة، بهذا المعنى، ما يحدث عندما تنسحب أميركا من المنطقة، بل عندما يدرك حلفاؤها أن الشراكة معها لا تعفيهم من بناء قدرتهم الذاتية، وهو ما تصفه أنقرة اليوم بـِ "الملكية الإقليمية" للأمن.
وهنا تبرز الصناعات الدفاعية والتدريب وتبادل التكنولوجيا. فالقيمة الاستراتيجية للاتفاق قد لا تكون فقط في السؤال عما إذا كان الجيش التركي أو الباكستاني سيقاتل دفاعاً عن السعودية، بل فيما يمكن أن تنتجه الدول الثلاث معاً قبل الحرب: الخبرة والصناعة العسكرية التركية والباكستانية، والقدرة المالية والاستثمارية السعودية، والتدريب والتنسيق المشترك.
فالردع الناجح ليس الذي يخوض الحرب، بل الذي يجعل كلفتها مرتفعة بما يكفي لمنع وقوعها.
اتفاق كبير… وأسئلة أكبر
مع ذلك، فإن المبالغة في تقدير اتفاق مكة ستكون خطأ موازياً للتقليل من أهميته. فباكستان قوة نووية، وتركيا صاحبة ثاني أكبر جيش في "الناتو" وصناعة دفاعية متقدمة، والسعودية تملك ثقلاً مالياً وطاقوياً وقدرات تسليحية كبيرة.
لكن جمع هذه العناصر لا يجعل منها تلقائياً حلفاً عسكرياً متكاملاً. وقد كشف فيدان بعض ملامح آلية التنفيذ: الاتفاق سينشئ لجنة وزارية وأمانة عامة مقرها السعودية، فيما تبدأ المساعدة بطلب من الدولة التي تتعرض للاعتداء، ثم تحدد الدول الثلاث بالتشاور طبيعة الدعم ومستواه، من تبادل المعلومات والدعم اللوجستي وصولاً إلى نشر قوات عسكرية. وهذا يعني أن مبدأ الدفاع المشترك ملزم سياسياً، لكن الاستجابة ليست آلية، بل تخضع لطبيعة الاعتداء والتشاور بين الأطراف.
كما لا يوجد ما يثبت أن السلاح النووي الباكستاني أصبح "مظلة نووية" للسعودية وتركيا؛ فالخلط بين وجود دولة نووية داخل اتفاق دفاعي وبين ضمانة نووية تلقائية لشركائها قفزة لا تسندها الوقائع المعلنة. لكن غياب ضمانة نووية معلنة لا يلغي أثر الغموض نفسه في معادلة الردع: فوجود قوة نووية داخل اتفاق يعتبر الاعتداء على أحد أطرافه اعتداءً على الجميع، يفرض على أي خصم محتمل أن يحسب منذ البداية مخاطر التصعيد إلى مستويات أعلى.
ولا تزال هوية معظم "الدول الشقيقة" التي يمكن أن تنضم إليه غير معروفة، لكن فيدان ذكر مصر صراحة بوصفها مرشحاً محتملاً بعد استكمال بعض المسائل التقنية. وهو تطور مهم، لأن توسيع الاتفاق سيحدد ما إذا كنا أمام تحالف عسكري محدود أم نواة لترتيب أمني إقليمي أوسع.
وهنا ربما تكمن أهم دلالة لاتفاق مكة. فقد أمضى الشرق الأوسط عقوداً بين مشاريع الهيمنة والمحاور المتقابلة. أما الاتفاق الجديد فيطرح، ولو نظرياً، احتمالاً آخر: أن تتعاون قوى إقليمية لا لأنها تتفق على عدو واحد، بل لأنها تتفق على ألا يستطيع طرف واحد فرض إرادته على الجميع.
إيران حاضرة في هذه المعادلة، لكنها لا تكفي لتفسيرها. وإسرائيل حاضرة أيضاً، والهند موجودة في الحساب الباكستاني، والولايات المتحدة حليف لا غنىً عنه للدول الثلاث، لكن ليس ضمانة تغني عن كل ما عداها.
لهذا قد تكون أهمية اتفاق مكة أقل في الإجابة عن سؤال "من هو العدو؟" وأكثر في السؤال الذي يفتحه للمستقبل: أي نظام أمني تريد دول المنطقة أن تبنيه عندما لا تعود الهيمنة ممكنة، ولا الحماية الخارجية كافية، ولا تستطيع دولة بمفردها مواجهة كل الأخطار؟
لن يولد نظام كهذا من اتفاق واحد، ولن يكتمل بثلاث دول فقط. وإذا تطور فعلاً إلى مفهوم للأمن الإقليمي الجماعي، فلن يكون مستداماً بإقصاء إيران، كما لن يكون ممكناً مع إسرائيل ترى أمنها في إخضاع محيطها بالقوة.
وربما تكون الرسالة الأعمق لاتفاق مكة أبسط من كل القراءات المتنافسة حوله: ليس المطلوب أن تحل هيمنة محل أخرى، ولا أن يقوم محور في مواجهة محور. المطلوب أن تتوازن قوى الإقليم بحيث لا تستطيع دولة واحدة أن تفرض أمنها على حساب أمن الآخرين.
وبكلمات أبسط: أن تكون هناك دول في الإقليم، لا دولة تعتقد أنها فوق الإقليم.




