انفجار موسكو يبحث عن القاتل والقتيل

بسام مقدادالسبت 2026/08/08
انفجار في مطعم في موسكو (Getty)
الانفجار الغامض رسالة إلى النخبة الروسية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد مرور أسبوع على انفجار مطعم Balzi Rossi الإيطالي النخبوي في وسط موسكو، حيث كان يقام حفل مقفل، لا تزال السلطات تتكتم على تفاصيله. ويُعتقد أن الحفل كان احتفاءً بيوبيل قائد القوات الجوية الفضائية الروسية ألكسندر تشايكو (Alexander Chaiko) الذي صادف عيد ميلاده قبل أيام من الحفل. 

 

وقع الانفجار مساء السبت في الأول من الجاري، حين اقتربت من مدخل المطعم فتاة تحمل علبة كرتون، قالت بأنها تحتوي على هدية للمحتفى به. لكن رجل الأمن أوقفها ومنعها من الدخول، وفي هذه اللحظة تم التفجير عن بعد. وأعلنت اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب عن مقتل الفتاة ورجل الأمن وشخص ثالث، وصفته بأنه من زوار المطعم، وكذلك جرح 21 شخصاً آخرين، أُعلن لاحقاً عن وفاة إثنين منهم.

 إحدى كبريات الصحف الروسية الاتحادية kommersantنقلت عن مصدر لم تفصح عنه قوله إن الفتاة لم تكن على الأغلب على علم بمحتوى العلبة. وقُدرت قوة الإنفجار بكيلوغرام من المواد المتفجرة، كانت كافية لتناثر الحطام على بعد عشرات الأمتار من مدخل المطعم. لكن السلطات تكتمت على أسماء الجرحى والقتلى معاً.  

أول التصريحات الرسمية جاء في اليوم التالي لوقوع الانفجار على لسان رئيس بلدية موسكو سيرغي سابينين، الذي وصف الانفجار بالعمل الإرهابي. وكررت الوصف اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب. اللجنة الاتحادية للتحقيقات أقامت دعوى جنائية ضد مجهول وفق مادة قانونية لا تنفي احتمال العمل الإرهابي، وباشر فريق تابع لها العمل في مكان الانفجار، وتتكتم بالطبع على مجريات التحقيق وتفاصيله. واكتفت وزارة الصحة بالإعلان عن استقبال المستشفيات لضحايا الانفجار وتقديم المساعدة الطبية للجرحى منهم، من دون أن تذكر عدد القتلى من بينهم. 

 

على خلفية هذا الاقتضاب في التصريحات الرسمية حول الانفجار في قلب العاصمة الروسية، وغير بعيد عن الكرملين، كان مستغرباً أن لا يصدر أي تعليق عن الكرملين أو وزارة الدفاع أو جهاز الأمن المركزي FSB. وتوقفت عند هذا الأمر وكالة الأسوشيتد برس، حيث رأت أن غياب التعليقات الرسمية يعتبر أمراً لافتاً، إذ إنه في حالات أخرى، حين كان الأمر يتعلق بمقتل مسؤولين عسكريين كبار أو بعمليات تخريب يُشتبه في وقوف أوكرانيا وراءها، كانت واحدة على الأقل من هذه الجهات غالباً ما تصدر بياناً رسمياً. 

أما وزارة الخارجية، فقد أصدرت سفارتها في روما تصريحاً أثار غضب الحكومة الإيطالية واستنكارها. فقد رأت السفارة في تصريح نشرته على صفحتها الرسمية في 3 الجاري أن "إرهابيي كييف" يقفون وراء التفجير في موسكو، ويهدفون إلى ترهيب الإيطاليين العاملين في روسيا. واللافت أن بيان السفارة الذي أعادت نشره على موقعها الرسمي وزارة الخارجية، تفرد عن المؤسسات الرسمية المختصة بنشر عدد قتلى الانفجار وجرحاه، حيث ذكر بأنه قتل 5 أشخاص وجرح 19 شخصاً في الانفجار. 

 رد وزير الخارجية الإيطالية أنطونيو تاباني جاء لاذع اللهجة شديد القسوة، حيث صرح بأن "القول إن الهجوم على المطعم الإيطالي في موسكو قد جرى تنفيذه لترهيب الإيطاليين هو كذبة هائلة. فلماذا قد يسعى الأوكران إلى ترهيب الإيطاليين، بينما إيطاليا تقف إلى جانب كييف؟"، حسب الموقع الأوكراني Ukrinform في اليوم عينه. 

 

موقع قناة التلفزة الأميركية التي تبث بالروسية من براغ currenttime رصدت تغطية قنوات التلفزة الروسية الرسمية للحدث (يشكل التلفزيون الرسمي مصدر المعلومات شبه الوحيد للروس خارج المدن الكبرى). ذكر الموقع أن هذه القنوات أشارت في نشراتها الإخبارية المسائية يوم الانفجار على أنه انفجار أنبوب غاز في المطعم، ولم تأت على ذكر محاولة اغتيال قائد القوات الجوية الروسية الجنرال ألكسندر تشايكو. وخصصت لتغطية الحدث بين 30 ثانية ودقيقة واحدة، ولم تأت على ذكره في النشرات الصباحية لليوم التالي. 

حتى أمس الجمعة في 7 الجاري كان لا يزال الإعلام الروسي الرسمي يتعامل بحذر شديد مع قضية انفجار موسكو، بينما تستمر وسائل الإعلام المستقلة وقنوات تلغرام الروسية في نشر تفاصيل جديدة. وفي حين لم يصدر عن الكرملين أو وزارة الدفاع أو جهاز الأمن الفيدرالي بياناً يؤكد أن الجنرال ألكسندر تشايكو كان الهدف المرجح للانفجار، بات الإعلام المذكور متأكداً من هذا الاستهداف. كما أنه كشف عن هوية بعض الضحايا، إذ تأكد مقتل زوج إبنة الجنرال وإصابة الإبنة ماريا بجروح خطيرة. كما تأكد تشييع نائب قائد الجيش 49 في 5 الجاري الذي كان بين قتلى الانفجار، ويقال بأنه كان مقرباً من الجنرال تشايكو وعراب إبنته، حسب الطبعة الإسرائيلية من االموقع الروسي news.ru

 

موقع قناة التلفزة الأميركية المذكور currenttime نشر في 3 الجاري نصاً رأى في عنوانه أن انفجار موسكو مثل إخفاقاً كبيراً للأجهزة الأمنية الروسية. 

أشار الموقع إلى أن الجنرال ألكسندر تشايكو الذي تم تعيينه في أيار/مايو المنصرم قائد القوات الجوية الفضائية الروسية، قد جمع احتفاله بعيد ميلاده كبار مسؤولي جهاز الأمن الفيدرالي الروسي وجنرالات وزارة الدفاع ونواب ومسؤولين. ويشتهر مطعم Balzi Rossi الإيطالي الذي يقع في أحد الأبراج الستالينية السبعة في موسكو  بأنه المكان الذي يحتفل فيه بأعياد ميلادهم كبار رجال الأعمال والسياسيين ومشاهير الفنانين. ويُعد ألكسندر تشايكو أحد أرفع الجنرالات الروس رتبةً الذين تعرّضوا لمحاولات اغتيال منذ بداية الحرب الروسية الشاملة على أوكرانيا. وأشار موقع medusa الروسي المعارض إلى أن هذه المحاولات بلغ عددها 6 محاولات، انتهت بتصفية 3 من كبار الجنرالات الروس.

 

ولماذا لم تعلن أي جهة حتى الآن مسؤوليتها عن الانفجار، نقل الموقع عن المسؤول السابق في جهاز الإستخبارات الأوكرانية إيفان ستوباك إفتراضه بأنه قد لا يكون الجنرال تشايكو هو المستهدف بالانفجار، بل أحد كبار ضيوفه. ورأى أن الأمر سيبقى في مجال التخمينات إلى حين صدور تاكيد رسمي أو من قبل المواقع غير الرسمية التي لم تؤكد حتى الآن أن تشايكو كان هو المستهدف. 

وعن التكتم الروسي، قال ستوباك بأن الانفجار مثّل إخفاقاً ذريعاً للاستخبارات والأجهزة الأمنية الروسية. فقد اجتمع في المطعم نخبة الجنرالات، وكبار مسؤولي وزارة الدفاع، وأرفع مسؤولي القيادة العليا للقوات المسلحة الروسية. وكان يتواجد بينهم بالطبع مسؤولون من جهاز الأمن الفدرالي، ومع ذلك وقع الانفجار.

وعن عدم تبني أوكرانيا للانفجار، قال ستوباك بأن المخابرات الأوكرانية تبنت هذا العام استراتيجية الصمت المطبق، وعدم التعليق على الأحداث التي تقع داخل روسيا.

 

موقع الخدمة الروسية في دويتشه فيله DW الألماني نشر في 3 الجاري نصاً للمعلق السياسي في الموقع كونستناتين إيغرت (Konstantin Eggert) رأى فيه أن انفجار موسكو يرمز إلى وصول الحرب إلى موائدbanquets  نخبة الكرملين. 

رأى المعلق أن انفجار مطعم Balzi Rossi لم يكن مجرد استهداف لقائد القوات الجوية والفضائية الروسية ألكسندر تشايكو، بل كان رسالة إلى النخبة الروسية بأن الحرب قادرة على العودة إلى عقر دارها. ومن الآن فصاعداً سيبقى الخوف ضيفاً دائماً وثقيلاً على موائدها.

وصف المعلق بالخرقاء والكاذبة السردية التي اختارها الكرملين في الاعتراف بوقوع الانفجار بالقرب منه، وعدم الاعتراف بمن كان يستهدف. ورأى أن استهداف الجنرال تشايكو، هو أمر طبيعي ومبرر من قبل المخابرات الأوكرانية. فقد كان تشايكو قائد القوات الروسية التي وصلت كييف في الأيام الأولى للغزو الروسي، وارتكبت في ضاحيتها بوتشا المجزرة الشهيرة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث