4 آب ووقاحة الجريمة

سالي عليالجمعة 2026/08/07
ذكرى 4 آب (مصطفى جمال الدين)
تكمن المفارقة الأكثر قسوة في 4 آب أن الجريمة لم تكن بحاجة إلى أن تُكتشف (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

في الرابع من آب 2020، لم تكن بيروت بحاجة إلى من يخبرها أنّها دخلت تاريخ الكوارث. المدينة التي اعتادت أن تحمل طبقات متراكمة من الحروب والاغتيالات والانهيارات، وجدت نفسها أمامَ لحظة لا تشبه ما سبقها. لم يكن الأمر مجرّد انفجار ضخم هزّ العاصمة، بل لحظة انكشاف عارٍ لدولة فقدت تكراراً قدرتها على حماية مواطنيها، ثم فقدت لاحقاً قدرتها على تفسير ما حدث لهم.

 

الجريمة في ذلك اليوم بدت مختلفة عن الجرائم التي تحتاج إلى وقت كي تظهر ملامحها. لم تكن هناك غرف مغلقة، ولا روايات متضاربة حول وقوعها، ولا حاجة إلى البحث عن آثارها في أماكن بعيدة. الجريمة كانت واقفة في وسط بيروت، ممدودة على الشوارع المحطمة، معلّقة في وجوه الجرحى، وفي عيون الأهالي الذين ما زالوا لليوم يبحثون بين الركام عن بقايا أبنائهم. كانت جريمة صاخبة إلى درجة أنها لم تحتج إلى اعتراف. وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة في 4 آب؛ أنّ الجريمة لم تكن بحاجة إلى أن تُكتشف، بل فقط إلى أن يُحاسَب عليها. لكن ما حدث بعد ذلك كشف شيئاً أكثرَ عمقاً من مجرّد تعطيل تحقيق أو عرقلة مسار قضائي. كشف أنّ المشكلة لم تكن فقط في الجريمة نفسها، بل في البيئة السياسية التي سمحت لها بأن تقع، ثم سمحت لها بأن تدخل نفق الانتظار.

في عالم الجريمة، يحاول الفاعل عادةً أن يخفي أثره. فالجريمة و منذ بدايات التاريخ، تحمل معها غريزة الاختباء. القاتل يهرب من عيون الناس، والسلطة التي ترتكب خطيئة كبرى تبحث عن رواية تحميها من السقوط. حتّى الأنظمة الأكثر قسوة تدرك أنّ الفضيحة خطر، وأنّ الاعتراف بحجم الجريمة قد يكون بداية النهاية. أما في بيروت، فقد بدا المشهد مختلفاً فلم تختبئ الجريمة بل الذي اختبأ كان العقاب. وهذه ربما هي الجملة التي تختصر مأساة السنوات الست الماضية.

 

في رواية ألبير كامو "الطاعون"، لا يكون الوباء مجرد مرض يصيب مدينة، بل يصبح امتحاناً أخلاقياً يكشف طريقة تعامل البشر مع الشر. الأخطر في الكارثة ليس وقوعها فقط، بل اللحظة التي يبدأ فيها المجتمع بالتكيف معها، حين يتحول الاستثناء إلى عادة، وحين يصبح ما كان مستحيلاً بالأمس جزءاً من الحياة اليومية. ربما هذا ما حدث مع انفجار المرفأ. لم يتعامل اللبنانيون مع 4 آب كحدث انتهى، لأنّ الجرح بقي مفتوحاً. لكن الدولة تعاملت معه بطريقة مختلفة؛ تركته يتحول تدريجياً من صدمة وطنية إلى ملف معلّق، ومن لحظة كان يمكن أن تغيّر قواعد اللعبة إلى ذكرى سنوية تستعاد بالصور والدموع.

لم يكن المطلوب أن ينسى اللبنانيون الانفجار بل كان المطلوب بطريقة أكثر خبثاً، أنّ يتعلموا كيف يعيشون معه. وهنا تظهر قوة الزمن كأداة سياسية. فالزمن لا يشفي كل الجراح كما يقال دائماً. أحياناً يعمل الزمن لصالح من يريدون إغلاق الملفات من دون إعلان ذلك. كل سنة تمر تعني أنّ الغضب الأول يهدأ، وأنّ المجتمع يدخل في أزمات جديدة، وأنّ الضحايا يجدون أنفسهم في مواجهة معركة طويلة لا تقلُ قسوة عن لحظة الانفجار نفسها. ليس لأنّ الحقيقة أصبحت أقل أهمية إنما لأنّ الحياة اليومية تفرضُ على الناس أن يواصلوا السير فوق الركام. وهذه هي الطريقة التي تنتصر بها بعض الأنظمة؛ لا تنفي الكارثة، بل تنتظر حتى تصبح الكارثة جزءاً من المشهد.

 

لكن 4 آب لم يكن فقط اختباراً للدولة بل كان اختباراً للبنان نفسه. فالانفجار في لحظته الأولى فعل شيئاً نادراً في بلد بُني نظامه السياسي على توزيع الناس داخل هويات طائفية. لم يسأل الزجاج المتطاير عن مذهب من سيصطدم به. لم يميز الغبار بين بيت وآخر. لم تبحث النار عن أسماء العائلات قبل أن تدخل النوافذ. كانت بيروت للمرة الأولى منذ زمن طويل، ضحية واحدة. في تلك الساعات، ظهر لبنان مختلفاً عن لبنان السياسي. رأى الناس بعضهم بعضاً قبل أن تراهم الطوائف. تحرك المواطنون لإنقاذ مواطنين، لا أبناء جماعات متقابلة. كان هناك شعور بأنّ الكارثة كسرت للحظة الجدران التي بُنيت داخل المجتمع. لكن النظام السياسي اللبناني أثبت مرة أخرى قدرته على إعادة إنتاج نفسه حتى من قلب المأساة.

لم تتحول الكارثة إلى لحظة تأسيس جديدة، لأنّ المنظومة التي أنتجت شروط الانفجار كانت أكثر قدرة على البقاء من قدرة المجتمع على تحويل الغضب إلى تغيير. عادَ كل طرف إلى مربعه، وعادت الحسابات القديمة، كما عادت الجريمة نفسها إلى أنفاق السياسة و كأنّ لبنان لم يكتفِ بتقسيم السلطة، بل أصبح قادراً أيضاً على تقسيم الذاكرة. وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة؛ هل المشكلة أنّ العدالة لم تصل بعد؟ أم أنّ الأخطر هو أن الدولة استطاعت أن تعيش ست سنوات كاملة بعد جريمة كان يفترض أن تغيّر شكلها؟

 

لأنّ الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على منع الكوارث، بل بقدرتها على التعامل معها بعد وقوعها. الدولة التي تحترم مواطنيها قد تفشل، لكنها لا تستطيع أن تقف أمام مدينة مدمرة وتتصرف كأنّ الوقت كفيل بحل كل شيء. أما حين تصبح المماطلة وسيلة إدارة، يصبح التأخير نفسه جزءاً من الجريمة. 

لقد كان انفجار 4 آب لحظة سقط فيها الوهم الأخير بأن هناك حدوداً لا يمكن تجاوزها، فالسلطة التي تخشى شعبها تخاف من الفضيحة. أما السلطة التي تعرف أنها قادرة على امتصاص الفضيحة، فهي لا تحتاج حتى إلى إنكارها. وهذا هو المعنى الأكثر رعباً في قصة مرفأ بيروت؛ ليست المأساة فقط أن مواد متفجرة بقيت سنوات في قلب العاصمة وليست المأساة فقط أن مئات الأشخاص قتلوا وآلافاً أصيبوا. المأساة الأعمق أنّ الجريمة كانت واضحة جداً، ومع ذلك احتاجت الحقيقة إلى سنوات كي تبحث عن مكان لها.

في 4 آب، لم تنفجر عنابر المرفأ فقط بل صورة  وشعائر الدولة انفجرت أمام مواطنيها. لكن المفارقة الأكثر مرارة أنّ الدولة نفسها لم تسقط تحت الركام. الذي بقي تحت الركام كان اعتقاد الناس بأنّ حجم الجريمة يكفي وحده لفرض العدالة. فقد اكتشف اللبنانيون بعد ست سنوات أنّ بعض الجرائم لا تحتاج إلى أن تُخفى كي تنجو. يكفي أن تكون كبيرة إلى درجة أن الجميع يراها ثم تكون المنظومة أكبر من قدرتهم على محاسبتها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث