"كان اكتشاف الذات في العرباتِ أو في المشهد البحريِّ
في ليل الزنازين الشقيقةِ قي العلاقات السريعة والسؤال عن الحقيقةْ
في كلِّ شيء كان أحمد يلتقي بنقيضهِ. عشرين عاماً كان يسألْ
عشرين عاماً كان يرحلْ عشرين عاماً لم تلده أمّهُ إلّا دقائقَ في إناء الموز وانسَحبَتْ.
يريد هويّةً فيصاب بالبركانِ، سافرتِ الغيوم و شرّدتني ورَمَتْ معاطفها الجبالُ وخبّأتني"
)من أحمد العربي- محمود درويش(
قرار تقسيم فلسطين رقم 181 صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني 1947. لم يعلن ديفيد بن غوريون قيام إسرائيل عشية صدور القرار، وإنما أعلنها في 14 أيار 1948، قبيل انتهاء الانتداب البريطاني بساعات. قبلت القيادة الصهيونية بالتقسيم باعتباره فرصةً تاريخية لإنشاء الدولة، من دون أن تتعامل بالضرورة مع حدوده بوصفها نهاية المشروع الصهيوني. رفض مناحيم بيغن وحركته "التصحيحية" تقسيم فلسطين، وتعامل بن غوريون البراغماتي معه باعتباره مرحلة يمكن أن تتغير حدودها تبعاً لموازين القوى. وقد نقل نعوم تشومسكي نفسه قولاً منسوباً إلى بن غوريون يفيد بأن قبول التقسيم لا يعني التخلي عن التطلعات الصهيونية خارج الحدود المقترحة.
خصّص قرار الأمم المتحدة نحو 56 في المئة من فلسطين للدولة اليهودية المقترحة، مع أن اليهود كانوا أقل من ثلث السكان آنذاك، بينما خصّص للدولة العربية نحو 43 في المئة، ووضع القدس وبيت لحم تحت نظام دولي خاص. لكن هذه الخريطة لم تصبح أساساً نهائياً لدولة إسرائيل. فعند انتهاء حرب 1948، كانت إسرائيل قد سيطرت على مساحة تتجاوز كثيراً ما خصصه لها قرار التقسيم، فيما اقتُلع نحو سبعمئة ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم أو فرّوا تحت وطأة الحرب والخوف والمجازر. هكذا وُلدت الدولة الإسرائيلية مترافقة مع النكبة الفلسطينية: قيام كيان سياسي لشعب جاء على حساب تفكيك المجتمع السياسي لشعب آخر. لم يتضمن إعلان قيام إسرائيل تحديداً لحدود الدولة. كان ذلك موضع نقاش حقيقي داخل القيادة الصهيونية، واختار بن غوريون تجنب تثبيت حدود قرار التقسيم. فإسرائيل لا تملك أصلاً دستوراً مكتوباً موحداً؛ بل تعتمد مجموعة من القوانين الأساسية. وهي ليست الدولة الوحيدة التي تفتقر إلى دستور مدوّن في وثيقة واحدة. لكن إعلان تأسيسها وقوانينها الأساسية لم يحسما حدودها النهائية، وظل هذا الغموض مرتبطاً بصراع سياسي وجغرافي متواصل.
ليست المشكلة، إذن، مشكلة نص دستوري ناقص وحسب، بل مشكلة دولة أبقت العلاقة بين حدودها وقوتها العسكرية مفتوحة. بعد حرب 1967 احتلت إسرائيل الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة والجولان السوري وسيناء المصرية. أعادت سيناء لاحقاً إلى مصر بموجب اتفاق سلام، وانسحبت من داخل غزة سنة 2005 مع إبقاء أشكال واسعة من السيطرة والحصار، وضمت القدس الشرقية والجولان من طرف واحد من دون اعتراف دولي عام. أما الضفة الغربية، فتحولت فيها المستوطنات والطرق الالتفافية والحواجز والمناطق العسكرية إلى أدوات لإعادة رسم الجغرافيا على الأرض قبل رسمها على الخرائط.
في هذا السياق، يصبح غموض الحدود وظيفة سياسية لا مجرد صدفة قانونية. فالحدود المؤقتة تسمح بجعل كل توسع أمراً واقعاً، ثم تحويل الأمر الواقع إلى موضوع تفاوض، ثم مطالبة الطرف الفلسطيني بتقديم تنازلات جديدة للاعتراف بما فرضته القوة. وبدلاً من أن تكون المفاوضات وسيلة لإنهاء الاحتلال، غدت في مراحل كثيرة غطاءً زمنياً لاستمرار الاستيطان وتقطيع الأرض الفلسطينية إلى جزر منفصلة.
أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز 2024 أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن على إسرائيل وقف النشاط الاستيطاني وإخلاء المستوطنين من الأراضي المحتلة. لم تكن هذه الخلاصة اختراعاً سياسياً جديداً، بل تتويجاً لعقود من القرارات الدولية التي تعتبر الاستيلاء على الأراضي بالقوة مخالفاً للقانون الدولي. ومع ذلك، لا تزال إسرائيل تتعامل مع القانون كقيد يخضع لموازين القوة: تطلب الشرعية الدولية عندما تدعم وجودها، وترفض إلزامها عندما تحدّ من توسعها.
بلغ هذا المنطق ذروته في غزة. فلا يمكن اختزال ما حدث هناك في "دفاع عن النفس" منفصل عن تاريخ الحصار والاحتلال والاقتلاع. إن استهداف المدنيين من جانب أي طرف جريمة مرفوضة، وكذلك أخذ الرهائن وإطلاق النار العشوائي. لكن هذه الإدانة الأخلاقية لا تمنح دولةً حق تدمير مدن كاملة، وتهجير السكان بصورة متكررة، وتجويعهم، وتحويل المستشفيات والمدارس والجامعات والبنية التحتية إلى ركام. وتشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى أن معظم سكان القطاع تعرضوا للنزوح، وأن حجم الدمار أعاد شروط الحياة فيه عقوداً إلى الوراء.
ما يجعل الحالة الإسرائيلية أكثر خطورة ليس استعمال القوة وحده، فالتاريخ مليء بالدول المعتدية، إنما الجمع بين القوة العسكرية الهائلة، والحماية السياسية الغربية، وخطاب دائم ينكر على الفلسطينيين وحدة وجودهم التاريخي وحقوقهم الوطنية. يُقدَّم الفلسطيني مرةً باعتباره "غائباً"، ومرةً "لاجئاً" بلا وطن، ومرةً "مقيماً" يمكن سحب إقامته، ومرةً "خطراً ديموغرافياً"، ومرةً "إرهابياً" لمجرد مقاومته أو مطالبته بالمساواة. وهكذا يتحول إنكار الشعب إلى مقدمة لإنكار حقوقه، ثم يتحول إنكار الحقوق إلى تبرير لإخضاعه أو تهجيره.
غير أن تحميل إسرائيل وحدها مسؤولية استمرار هذا الوضع يعفي النظام الدولي من مسؤوليته. فالدولة التي تتلقى السلاح والتمويل والغطاء الدبلوماسي لا تمارس عدوانها في فراغ. وكل دولة غربية تعلن التمسك بحل الدولتين ثم تتسامح مع الاستيطان، أو تدعو إلى حماية المدنيين ثم تواصل تزويد إسرائيل بالسلاح، تشارك في تحويل القانون الدولي إلى لغة انتقائية. المشكلة ليست غياب القرارات، بل غياب الإرادة لتطبيقها.
منذ قرار التقسيم وحتى اليوم، ظل السؤال نفسه قائماً: هل تخضع القوة للحدود والقانون، أم ترسم القوة حدودها كلما سنحت الفرصة؟ لقد برهنت التجربة الفلسطينية أن الحدود التي لا يحميها حق فعلي تظل قابلةً للمحو، وأن الدولة التي لا تواجه ثمناً على احتلالها تجد في كل أزمة فرصةً جديدة للتوسع. لن يتحقق السلام بمجرد مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بواقع صُنع ضدهم، ولا بإدارة معاناتهم عبر المساعدات الإنسانية، ولا بتحويل قضيتهم إلى نزاع عقاري على بضعة كيلومترات. يبدأ السلام بالاعتراف بأن الفلسطينيين شعب، وأن لهم حقاً مساوياً في الحرية والأرض والأمن وتقرير المصير. ويبدأ أيضاً حين تتوقف إسرائيل عن التعامل مع حدودها باعتبارها المدى الذي تستطيع دباباتها وطائراتها ومستوطنوها بلوغه. فالحدود التي ترسمها القوة تبقى خطوط حرب، أما الحدود التي يرسمها العدل وحده فيمكن أن تصبح بدايةً للسلام.
الحل باختصار هو إخضاع القوة للقانون الدولي، لا مطالبة الفلسطينيين بالتكيف الدائم مع نتائجها:
وقف الحرب والتهجير والاستيطان والحصار فوراً وإنهاء الاحتلال ضمن جدول زمني ملزم بضمانات دولية وعقوبات على المعرقلين. إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، أو إقامة دولة ديمقراطية واحدة بحقوق متساوية للجميع. من ثم معالجة قضية اللاجئين وفق القرار 194، عبر العودة والتعويض وخيارات متفق عليها. كما ضمان أمن الفلسطينيين والإسرائيليين معاً؛ فلا أمن دائم لإسرائيل من دون حرية الفلسطينيين، ولا سلام مع استمرار الاحتلال.
الخلاصة: إما دولتان حقيقيتان، وإما دولة واحدة متساوية؛ أما دولة واحدة تسيطر على شعبين بحقوق متفاوتة فليست حلاً، بل نظام هيمنة وصراع دائم.
يستدعي ذلك خروج الفلسطينيين من الشعارات التي تجعل العنف غايةً أو تختزل التحرر في المواجهة المسلحة. فاختلال ميزان القوة يجعل عسكرة القضية مدخلاً لتدمير المجتمع الفلسطيني، بينما تستثمر إسرائيل العنف لتبرير الاحتلال والتهجير وكسب الغطاء الدولي. المطلوب هو انتقالٌ إلى مشروع تحرر سياسي واقعي يقوم على: مقاومة مدنية واسعة ومنظمة، وحدة وطنية وبرنامج سياسي واضح، المطالبة بحقوق قابلة للدفاع عنها دولياً: الحرية، المساواة، إنهاء الاحتلال وتقرير المصير، تحرك قانوني ودبلوماسي واقتصادي عالمي، رفض استهداف المدنيين من الطرفين، وبناء مؤسسات فلسطينية ديمقراطية وخاضعة للمحاسبة. لكن نبذ العنف الفلسطيني لا يجوز أن يصبح شرطاً لتجاهل العنف الإسرائيلي أو مطالبة الضحية بالاستسلام. المعادلة الصحيحة هي: تحرير القضية الفلسطينية من خطاب العنف، وفي الوقت نفسه نزع الشرعية عن الاحتلال والعقاب الجماعي والاستيطان.
حماية الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين الدائمة تتطلب الانتقال من الإدانة اللفظية إلى نظام حماية دولي ميداني ملزم، لأن الجيش الذي يحمي المستوطنين لا يمكن أن يكون جهة الحماية الوحيدة. عملياً، يقوم الحل على أربعة مستويات:
وجود دولي دائم في القرى المهددة: مراقبون وفرق حماية مدنية بتفويض أممي، لا زيارات مؤقتة، مع انتشار خاص في مناطق الرعي ومواسم الزيتون والطرق المؤدية إلى المدارس. وإذا تعذر قرار من مجلس الأمن، يمكن تشكيل بعثة متعددة الأطراف بدعوة فلسطينية ودعم الجمعية العامة.
حماية محلية غير مسلحة: لجان إنذار مبكر، شبكات اتصال بين القرى، فرق إسعاف وإطفاء، كاميرات ثابتة، توثيق موحّد، ومرافقة جماعية للمزارعين والأطفال. هدفها تقليل الخسائر وإفشال التهجير، لا الدخول في مواجهة عسكرية غير متكافئة.
جعل الاعتداء مكلفاً: فرض عقوبات على المستوطنين وقادتهم، وعلى الجمعيات التي تموّل البؤر الاستيطانية، وحظر منتجات المستوطنات، وتجميد التعاون العسكري مع الوحدات التي تحمي المعتدين أو تشاركهم. العقوبات الفردية المحدودة لا تكفي ما لم تشمل البنية السياسية والمالية للاستيطان.
مساءلة قانونية عاجلة: إنشاء ملف رقمي مركزي لكل اعتداء يتضمن الصور والشهادات والموقع والتوقيت وهوية المعتدين والوحدة العسكرية الموجودة، ثم تقديمه إلى المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية ذات الاختصاص المناسب. وقد قررت محكمة العدل الدولية أن الاستيطان غير قانوني وأن على إسرائيل إخلاء المستوطنين من الأرض المحتلة.
وتؤكد تقارير الأمم المتحدة لعام 2026 أن اعتداءات المستوطنين أصبحت سبباً رئيسياً للإصابات والتهجير في الضفة. لذلك، فإن مطالبة الفلسطينيين بضبط النفس من دون حماية دولية وعقوبات ليست سياسة سلام، بل تركٌ لهم أمام عنف منظم. الخلاصة: الحماية الحقيقية هي وجود دولي على الأرض وصمود مدني منظم وتوثيق قانوني وعقوبات على المستوطنين والجهات الرسمية الحامية لهم. ومن دون كلفة تُفرض على الدولة التي ترعى هذا العنف، ستبقى بيانات الإدانة مجرد غطاء للعجز.




