قبل أكثر من عقد أعلنت الرياض عن تشكيل تحالفين واسعين، الأول باسم التحالف "الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب" والذي ضم حوالى 43 دولة، وولد شبه ميت. أما الثاني، فهو "التحالف العربي من أجل دعم الشرعية في اليمن" والذي تراوحت عضويته بين 10 و13 في فترات مختلفة، وخاضت قواته حرب دموية طويلة ضد الحوثيين، انتهت إلى حالة من اللاسلم واللاحرب، بعد الهدنة الأممية في العام 2022.
نهاية الشهر الماضي، تعود الرياض لتعلن مرة أخرى عن تحالف جديد، باسم "التحالف البحري الدفاعي المتعدد الجنسيات"، والذي يضم 14 دولة، هي السعودية، والكويت، والبحرين، وقطر، ومصر، والأردن، واليمن، وتركيا، وباكستان، وبنغلادش، والسودان، وجيبوتي، والصومال، وجزر القمر. يغيب عن اسم التحالف الصفات الهوياتية السابقة التي دمغت التحالفين السابقين، فهو ليس "عربياً" ولا "إسلامياً"، ويكتفي بالإشارة إلى تعدد جنسياته. ومع هذا لا يمكن تجاهل الصفة الإسلامية الغالبة على الدول المشاركة، والطبيعة السنّية له بشكل أكثر وضوحاً.
تبدو مهمة التحالف أكثر تحديداً، ومقتصر على المجال البحري، وبشكل أدق -حسب البيان التأسيسي- يتحدد نشاطه في نطاق البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن.
يأتي الإعلان عن التحالف الأخير في سياق التوترات في منطقة مضيق باب المندب، وإعلان جماعة الحوثي عن فرض حصار بحري على السعودية رداً على ما تدعي أنه حصار سعودي على اليمن. ثمة عناصر مشتركة في التحالفات العسكرية المتتابعة منذ العام 2015، تستثمر الرياض في مكانتها الدينية في العالم الإسلامي، لتحويل رأسالمالها الرمزي إلى وقائع سياسية وتحالفات عسكرية على الأرض. وذلك لمواجهة التهديدات الموجهة لمصالح المملكة ودول الخليج العربي بالعموم.
لجوء الرياض ومعها العواصم الخليجية الأخرى إلى تلك الصيغة من التحالفات يكشف عن فقدان ثقتها في دور الأميركي كضامن لاستقرار منطقة الخليج.
بداية، بدت واشنطن غير معنية بالتورط في المستنقع اليمني، ولاحقاً قادت الحرب الأميركية- الإسرائيلية غير المحسوبة على إيران إلى فوضى جامحة في المنطقة. هكذا تراوحت مواقف واشنطن بين اللامبالاة والحماقة في أفضل الأحوال. وحين أرسلت بوارجها لأمواه المنطقة لضرب إيران، ظهر مدى محدودية قدراتها العسكرية. لا تتخلى العواصم الخليجية عن الضمانة الأميركية، لكنها تسعى لخلق مسارات موازية إقليمية. وتظهر تلك البدائل أكثر إلحاحاً اليوم، في ظل التغول الإسرائيلي واحتمالية أن تخرج إيران من الحرب أقوى مما دخلتها.
الحضور الباكستاني في التحالف، وبالمجمل في الترتيبات الإقليمية لافت. يترسخ حضور الدولة الإسلامية النووية الوحيدة عبر اتفاقات الدفاع مع العواصم الخليجية تارة وعبر وساطة إسلام آباد في المفاوضات بين الإيرانيين والأميركيين. وبشكل ما، يوازن هذا الحضور الرغبة الهندية في الولوج إلى المنطقة عبر المدخل الإسرائيلي. يتعمق التنسيق بين الرياض وأنقرة والقاهرة تدريجياً، وبالأخص مع اندلاع الحروب الإسرائيلية الوحشية على دول المنطقة بعد السابع من أكتوبر. حياد عُمان يغيبها عن التحالف، ومعها الإمارات ذات الحسابات المختلفة.
لكن للآسف لا يظهر أن حظوظ التحالف الأخير ستختلف كثيراً عن حظوظ التحالفات السابقة. فهو يقتصر على الجانب العسكري، من دون تأسيس الدفاعي على قاعدة أعمق من المصالح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المشتركة. وعلاوة على ذلك، يقتصر هدفه على مواجهة تحدٍ بعينه، بحيث تظل أولوياته مرتبطة بالقدرة التمويلية لدول الخليج ومصالحها. الهشاشة الداخلية لبعض الدول المشاركة يجعل عضويتها رمزية. أما التضارب في المصالح في بعض الملفات الأخرى، فقد ينتهي بعمليات التحالف إلى مصير عاصفة الحزم، والتي خلفت مأساة إنسانية فادحة لحقت باليمنيين.
مرة أخرى، يتكشف كيف يمكن لتحالف إقليمي واسع في المستقبل أن يكون خطوة أولى لإعادة ترتيب المنطقة المنكوبة من الداخل ولصالح شعوبها، أو بالأحرى ذلك هو طريقها الوحيد للخلاص.




