إسرائيل والمسيحية الصهيونية: هل يصمد التحالف أمام التحولات؟

ليلى نقولاالأربعاء 2026/08/05
تظاهرة أميركية مؤيدة لإسرائيل (Getty)
تظاهرة مؤيدة لإسرائيل في نيويورك (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كشفت التحولات الأخيرة في الرأي العام الأميركي عن تزايد الانتقادات لإسرائيل، خصوصاً بين الشباب والديمقراطيين، في مقابل استمرار الدعم السياسي الراسخ لها داخل مؤسسات الحكم. غير أن هذا الالتزام، الذي يُعزى غالباً إلى نفوذ اللوبيات المؤيدة لإسرائيل، لا يمكن فهمه كاملاً من دون النظر إلى القاعدة الشعبية الأوسع التي تغذيه، وتحديداً التيار المسيحي الصهيوني الذي تحوّل، خلال العقود الماضية، إلى إحدى الركائز الأيديولوجية للمحافظة الأميركية الحديثة. 

وفي ظل هذا التباين بين اتجاهات الرأي العام وثبات المواقف داخل جزء كبير من المؤسسة السياسية، يواجه الحزب الجمهوري، ومعه ترامب، معضلة متنامية: كيف يمكن الحفاظ على دعم القاعدة الإنجيلية التي ترى في إسرائيل قضية محورية، مع تزايد النزعات النقدية والانعزالية داخل قطاعات أخرى من الناخبين الأميركيين؟

 

الجذور الفكرية للمسيحية الصهيونية

توضح أعمال دونالد لويس في "أصول المسيحية الصهيونية" أن فكرة العودة اليهودية إلى فلسطين لدى بعض التيارات الإنجيلية سبقت نشوئها داخل الحركة الصهيونية السياسية نفسها، حيث رأت في عودة اليهود تحقيقاً لنبوءات دينية. 

ويبين ستيفن سبكتور في كتابه "الإنجيليون وإسرائيل" كيف أن هذه الأفكار لم تبق حبيسة المجال اللاهوتي، بل تحوّلت خلال القرن العشرين إلى قوة اجتماعية وسياسية مؤثرة داخل الحياة الأميركية، وإنه مع صعود اليمين الديني منذ سبعينيات القرن الماضي، أصبحت إسرائيل قضية مركزية لدى قطاعات واسعة من الناخبين الإنجيليين.

ويوضح دانيال هامل في "أخوة العهد" أن الدعم الأميركي لإسرائيل انتقل من مجرد خيار سياسي، إلى أن يصبح جزءاً من تحالف ثقافي واسع بين المحافظين اليهود والمحافظين الإنجيليين داخل الولايات المتحدة. وقد أدى هذا التحالف إلى إعادة تعريف الموقف من إسرائيل كأحد مؤشرات الانتماء إلى المعسكر المحافظ. وتكشف الأدبيات النقدية أن المسيحية الصهيونية لا تؤثر فقط في الموقف من إسرائيل، وإنما تساهم أحياناً في تشكيل تصوّر أوسع للشرق الأوسط.

 

ترامب والمسيحية الصهيونية: تحالف مصالح لا عقيدة

بصفته آتياً من خارج المؤسسة السياسية التقليدية، أدرك دونالد ترامب أن نجاحه في الانتخابات يحتاج الى دعم قاعدة شعبية واسعة. ولذا، اعتمد بدرجة كبيرة على تعبئة القاعدة المسيحية الصهيونية، بالرغم من أنه نفسه ليس صاحب قناعة لاهوتية مسيحية صهيونية.

في هذا السياق، تبدو قرارات مثل نقل السفارة الأميركية إلى القدس خلال ولايته الأولى جزءاً من عملية تلبية مطالب القاعدة الانتخابية، كما عكس تعيين مايك هاكابي سفيرًا للولايات المتحدة في إسرائيل هذا التوجه. ويؤكد وجود شخصيات مثل ماركو روبيو، وغيره من أبرز المؤيدين لإسرائيل، داخل الإدارة في الولاية الثانية استمرار الحضور المؤسسي لهذا التيار. 

تكمن المفارقة الأساسية عام 2026، في أن المسيحية الصهيونية تبدو قوية داخل المؤسسة الجمهورية أكثر من أي وقت مضى، في الوقت الذي تشهد فيه إسرائيل تراجعاً ملموساً في الرأي العام الأميركي، خصوصاً بين الشباب والديمقراطيين والمستقلين. على سبيل المثال، أظهر استطلاع غالوب في شباط 2026 للمرة الأولى منذ ربع قرن أن نسبة الأميركيين المتعاطفين مع الفلسطينيين بلغت 41% مقابل 36% للإسرائيليين. كما أظهرت بيانات مركز بيو في تموز 2026 ارتفاع النظرة السلبية تجاه إسرائيل وحكومتها عبر مختلف الفئات الاجتماعية والحزبية.

 

وهكذا، وفي ظل التحضير للانتخابات النصفية المقبلة، تتمثل المعضلة السياسية الأساسية أمام الجمهوريين في أن القاعدة الإنجيلية المنظمة ما زالت تمثل قوة انتخابية حقيقية، خصوصاً في الولايات المحافظة، لذلكَ يصعب تصور تراجع سريع في الخطاب المؤيد لإسرائيل داخل الحزب الجمهوري. لكن في المقابل، تكشف اتجاهات الرأي العام أن الوزن النسبي لهذه القاعدة يتراجع داخل المجتمع الأميركي ككل، حيث يتركّز النمو الديمغرافي والسياسي في فئات أكثر نقداً لإسرائيل وأكثر تشككاً في الانخراط الأميركي في صراعات الشرق الأوسط.

في المحصلة، يبدو أن السؤال المركزي في قراءة السياسة الأميركية لم يعد ما إذا كانت المسيحية الصهيونية ما زالت تؤثر في السياسة الخارجية الأميركية، فالأدلة تشير إلى أنها ما زالت تفعل ذلك. بل يبدو السؤال الأهم هو ما إذا كانت قادرة على المحافظة على هذا التأثير خلال العقد المقبل في ظل تغيرات ديمغرافية وثقافية وسياسية عميقة داخل الولايات المتحدة نفسها. 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث