مناخ الموت والمأوى المؤقت: عن انتهازية الناجين

بلال خبيزالجمعة 2026/07/31
جنوب لبنان زوطر الغربية (Getty)
أصبحت علاقتنا بالحروب كعلاقتنا بالطقس (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تعد الحروب اليوم أحداثاً تاريخية استثنائية تصنع الصدمة، وتثير الغضب، أو تستدعي بالضرورة موقفا أخلاقياً حاسماً. لقد تحولت، بطريقة تدريجية وخبيثة، إلى عنصر مناخي ثابت. شيء يشبه برد الشتاء القارس أو مطره الطوفاني. يتضرر الناس منه، يشتكون من قسوته، لكنهم يتعاملون معه بوصفه تحصيل حاصل، واقعاً مجرداً من السياسة، وليس من المجدي أو الممكن التفكير في وقفه. لقد أصبحت علاقتنا بالحروب كعلاقتنا بالطقس، نتابع النشرة الجوية صباحاً لنقرر نوع المعطف الذي سنرتديه. وعلى النحو نفسه يتابع الناس اليوم أخبار القصف، واستهداف المنشآت، والمساحات الساخنة، وليس ثمة من يأمل في وقفها. ومثلما أن لا أحد يطالب السماء بوقف المطر، فلا أحد يطالب الحرب بالتوقف. لقد تحولت السلطات الحاكمة إلى ما يشبه القدر، ولم يعد بوسع النشاط السياسي أو النضال أن يتحكم بتبعاتها ومنطلقاتها. كل ما يمكن رصده في هذا الصدد هو محاولات غريزية ومضنية لتقليل الخسائر وتجنب الآثار. التفكير السياسي يتراجع بصورة درامية أمام الغريزة البيولوجية المحض، ومع هذا التراجع تتحول الحياة إلى تدبير احترازي: البحث عن مأوىً، تخزين الأدوية والمواد الغذائية، وتأمين محرك كهرباء. لقد اعتاد الجسد البشري على فكرة الانسحاب من الحيز العام ومسؤولياته ليحتجب في كبسولة بدائية، مستسلماً لقسوة الطبيعة الجديدة.

 

انشطار الزمن: الانقطاع الطارئ والاستراحة الخاطفة

هذا الطقس الحربي لا يوزع أثره بالعدل، بل يكشف عن انقسام وجودي عميق في مفهوم الزمن والروتين اليومي بين طرفين لا يعيشان في العصر نفسه:

في المركز (أميركا، إسرائيل، دول الخليج): رغم أن الحرب على دول الخليج تشكل تهديداً بعيد المدى لاقتصاد هذه الدول ومستقبلها، إلا أنها ما زالت حتى الآن تقع في الموقع نفسه الذي تقع فيه أميركا. حيث تبدو الحرب بالنسبة لهذه القوى مجرد انقطاع طارئ في روتين حداثي صلب ومنظم. حتى لو بلغت التوترات ذروتها، أو تسببت في قلق وإرباك محدود، فإنها تظل حدثاً خارجياً يُشاهد عبر الشاشات أو يُقرأ كخبر هامشي لا يعطل دورة الإنتاج، ولا يمنع الناس من الذهاب إلى أعمالهم، ولا يربك عطلاتهم الاستهلاكية.

في الأطراف (لبنان، غزة، اليمن، وإيران): تكون الحرب هي الروتين الأساسي والمناخ المقيم. أما العيش المطمئن، والهدوء، وغياب أزيز الطائرات، فهو الذي يتحول إلى "انقطاع طارئ" واستراحة خاطفة يُستغل كل يوم منها لتجهيز الجسد للضربة المقبلة.

وحتى في بلد شاسع مثل إيران، حيث قد لا تطال الصواريخ كل بيت بشكل مباشر، فإن الحرب تصيب المواطنين في كل عَرَضٍ من أعراض حياتهم اليومية: في شبكات الاتصالات المقطوعة، في السلع المفقودة من رفوف المتاجر، في تهاوي العملة، وفي تلف كل الأوردة الصغيرة التي تجعل الحياة الحديثة ممكنة. الإيرانيون، بهذا المعنى، يشعرون أنهم انقطعوا عن مجرى حياتهم الطبيعي، ولا يستطيعون العودة إليه إلا في "عطلات الطائرات".

 

الحداثة: صالة معقمة للبعض وأداة قتْل للآخرين

تقودنا هذه المفارقة إلى صياغة واقعنا المعاصر بدقة قاسية: نحن أمام أمم تعيش داخل حداثة معقمة ومحمية، وتتعرض من حين لآخر لـِ "هجمات كاسرة من الغابة" تهدد رفاهيتها، في مواجهة أمم أخرى أُلقي بها في قلب الغابة، ولا يصلها من الحداثة العالمية سوى أدوات الموت، وأحدث تقنيات الذخائر والمسيرات.

الأمم المتروكة في الغابة لا تجد من الماكينة الحداثية سوى فضلات وتقنيات عابرة، كالمحركات، وشبكات التواصل المؤقتة، والأدوية، والوجبات الجاهزة، والخيام المستوردة على عجل. وتستعملها فقط لإطالة أعمار أبنائها بضع سنين أو أيام أخرى. الحداثة بالنسبة للطرف الأول هي صالة مكيفة تضمن الأمان التام، الذي يتخلله بعض الخروقات. بينما الحداثة بالنسبة للطرف الثاني هي السلاح الذي يهدم المأوى فوق رؤوس ساكنيه، مع بعض الفترات القصيرة والمقطوعة من سياقها من تغذية الأمل.

 

انتهازية الناجين

لكن التعرية الحقيقية لهذا المشهد تتجلى في المساحة التي نقف فيها نحن: مساحة الكتابة والتحليل.

إن كل كتابة عن الحرب، وكل سجال تلفزيوني، وكل صراخ إعلامي، هو في حقيقته نشاط مريح يقع في إطار "الانتهازية الأخلاقية". التضامن مع المحور الذي ندعي التضامن معه يظل صادراً من موقع المقيم في الأمان والاستقرار. الصراخ باسم الضحايا والدفاع عن حقهم يتم عبر مكبرات صوت لا تصل إلى آذانهم أصلاً، ولا تطعم الجائعين منهم، ولا تمنع صاروخاً من تمزيق أجساد بعضهم. 

هذا الانفصال ينطبق على الجميع. ينطبق على الأميركيين مثلما ينطبق على الإيرانيين. إن الحزن أو التفجع على القتلى يمر اجتماعياً في العتم الشامل، ويتحول حدثاً مجوفاً لا يلمحه أحد ولا يتغير بسببه أي شيء في آلة الحرب.

الخلاصة القاسية تفيد أننا عندما نكتب، نكتب دائماً بوصفنا "ناجين". والانحياز بهذا المعنى، مهما تغلف بالشعارات الأخلاقية أو البلاغية، هو فعل انتهازي يشجع على الموت. موت الآخرين تحديداً. سواء كنا نتضامن مع أولئك المتروكين للموت أم كنا نخاصمهم، فنحن نحاول فقط تزيين الجثة ومنح المذبحة معنى زائفاً، من موقعنا الآمن خلف الزجاج.
هذا رغم أنني كاتب وأعرف جيداً أن الكتابة رغم تناقضها الأخلاقي الفاضح، هي الفعل الوحيد الممكن، في مواجهة هذا الموت القدري. هي لا توقف الموت، لكنها على الأقل، تمنع التصديق عليه، وتعصمنا من تحويل المذبحة إلى طقس عابر نمر عليه كخبر في نشرة الصباح. إنها ليست خلاصاً، صحيح، لكنها قد تكون شهادة أمام ضمير لم يعد أحد يعبأ به. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث