الصورة التي هزّت بيروت ولم تهزّ الجنوب

سالي عليالجمعة 2026/07/31
الصحناوي ونتنياهو (الإنترنت)
كأن هذه الصورة أعادت إشعال معركة وطنية مؤجلة (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

الغضب أيضاً يملك ذاكرة انتقائية. ليس لأنّ الناس لا تشعر بالألم، بل لأن المجال العام يقرر كل يوم أيّ ألم يستحق أن يتحول إلى قضية، وأيّ ألم يمكن أن يتحول إلى خلفية دائمة للمشهد. هكذا احتاجت صورة واحدة تجمع رجل أعمال لبنانياً مع بنيامين نتنياهو إلى ساعات قليلة كي تشعل موجة من الغضب؛ المشهد انتشرَ بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وأعاد إلى الواجهة كلّ المفردات الثقيلة التي يحملها لبنان منذ عقود؛ التطبيع، العدو، الاحتلال، المقاومة،والذاكرة التي لم تُغلق أبوابها بعد. كان الغضب سريعاً وصاخباً. آلاف التعليقات، سجالات، اتهامات، ومواقف سياسية خرجت إلى العلن. بدت الصورة كأنها أعادت إشعال معركة وطنية مؤجلة. لكن في الوقت نفسه وعلى مسافة جغرافية ليست بالبعيدة، هناك جنوب لبناني يعيش واقعاً مختلفاً. قرىً ما زالت تحمل آثار الحرب، بيوت فقدت جدرانها، عائلات تنتظر العودة، وأناس يحاولون استعادة حياة طبيعية بعد شهور من الخوف والخسائر. هنا تظهر المفارقة التي تتجاوز صورة واحدة وشخصاً واحداً: لماذا استطاعت صورة أن تهز بيروت أكثرَ مما هزّها واقع الحرب المستمرة في الجنوب؟ ولماذا أصبحت هذه الصورة قادرة على إنتاج كل هذا الغضب، بينما باتت صور الموت، الدمار والمعاناة اليومية أقلً قدرة على تحريكِ المشاعر العامة؟

 

المسألة ليست في أنّ اللبنانيين غضبوا من صورة تجمع شخصية لبنانية مع رئيس حكومة إسرائيلية. فهذا الغضب مفهوم في بلد ما زالت ذاكرته مفتوحة على الاحتلال والحروب. المشكلة الأعمق هي في شيء آخر تماماً؛ في الطريقة التي أصبح بها لبنان يختار ما يغضب منه، وما يعتاد عليه. في لبنان اليوم، لم تعد الصورة مجرد انعكاس للحدث إنما أصبحت هي الحدث بحد ذاته. الصورة تختصر موقفاً سياسياً كاملاً. تمنح الناس خصماً واضحاً ومعركة جاهزة، وموقفاً يمكن التعبير عنه من خلال جملة قصيرة أو منشور غاضب. أما الواقع فهو أكثر تعقيداً. الجنوب ليس صورة واحدة. ليس مشهداً يمكن اختزالهُ في إطار واحد. هناك تاريخ طويل من الاحتلال والمقاومة والحروب، وهناك أيضاً دولة غائبة، وسلاح خارج إطار المؤسسات، وانقسامات لبنانية عميقة حولَ معنى السيادة وكيفية حمايتها. لكن وسط كل هذه التعقيدات هناك شيء بسيط يتم تجاهله باستمرار؛ الناس. هناك عائلة فقدت منزلها، مزارع فقد أرضه، طفل عاش الحرب قبل أن يعرف معنى الاستقرار. وهناك قرى تحاول لليوم أن تعود إلى الحياة بعد أن أصبحت الحرب جزءاً من يومياتها؛ هؤلاء لا يظهرون دائماً في النقاش السياسي لأنهم لا يقدمون إجابات سهلة.

 

ربما تكون المشكلة الأكبر في لبنان أن الجنوب لم يعد يُرى دائماً كمنطقة يسكنها لبنانيون، بل كرمز سياسي. منذ سنوات، جرى اختزال الجنوب في علاقته بحزب الله. أصبح الحديث عنه غالباً حديثاً عن الحزب وسلاحه ودوره الإقليمي، لا عن سكانه وحياتهم اليومية. وهذا الاختزال أنتجَ مأساة إضافية. فمن جهة هناك من يرى الجنوب فقط من خلال موقعه في مشروع حزب الله السياسي والعسكري. ومن جهة أخرى هناك من يعارض الحزب إلى درجة تجعله غير قادر أحياناً على رؤية معاناة الجنوبيين خارج هذا السياق. وبين الطرفين يختفي الإنسان الجنوبي. لكنّ الجنوب ليس حزباً. كما أنّ التضامن مع أهل الجنوب لا يعني بالضرورة تأييد كل الخيارات السياسية التي ارتبطت به، فإنّ رفض سياسات حزب الله لا يجب أن يؤدي إلى تجاهل معاناة المدنيين الذين يعيشون هناك. هذه إحدى أكثر المعضلات اللبنانية قسوة؛ أن يصبح الإنسان ضحية لموقعه السياسي المفترض قبل أن يُرى كإنسان. ما كشفته قصة الصورة أيضاً هو أن لبنان يعيش حربين في الوقت نفسه. هناك حرب على الأرض؛ الحدود، القصف، الدمار، والخوف. وهناك حرب على الشاشة؛ الصور، التعليقات، السجالات، والاتهامات. والأخطر أنّ الحرب الثانية أصبحت أكثر حضوراً من الأولى.

 

الألم الطويل يفقد جزءاً من قدرته على الصدمة عندما تتكرر صور الدمار يوماً بعد يوم، يبدأ المجتمع بالتعامل معها كأنها جزء طبيعي من المشهد المعتاد. تصبح المأساة مألوفة. أما الصورة المفاجئة فهي تدخل المشهد كحدثٍ جديد. تثيرُ الغضب لأنها تقطع حالة الاعتياد. وهنا تظهر مشكلة خطيرة؛ أن يصبح حجم الغضب مرتبطاً بحداثة المشهد، لا بحجم الألم.

ليس المطلوب من اللبنانيين اليوم أن يتوقفوا عن مساءلة أيّ شخصية عامة تجلس مع مسؤول إسرائيلي. فهذه قضايا سياسية وأخلاقية لها وزنها في بلد يعاني لليوم من الاحتلال. ولكن المطلوب هو إعادة ترتيب الأسئلة! فبينما ينشغلون بصورة هناك أسئلة أكبر لم تجد بعد طريقها إلى النقاش مثل: كيف يمكن حماية الجنوب؟ كيف يمكن ضمان ألا يبقى أهل المناطق الحدودية وحدهم في مواجهة نتائج الحروب؟ كيف يمكن بناء دولة قادرة على حماية مواطنيها؟ والأهم كيف يمكن للبنان أن يرفض الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، وفي الوقت نفسه يفتح نقاشاً صريحاً حول مستقبله السياسي والأمني؟

هذه الأسئلة أصعب من معركة صورة وربما لهذا السبب يتم الهروب منها غالباً.

 

المشكلة ليست بأنّ صورة هزّت بيروت، فربما كان طبيعياً أن تهزها! المشكلة أنّ هناك صوراً أخرى لم تعد تملك القدرة نفسها على الهز. صورة منزل جنوبي تحول إلى ركام. صورة أم تنتظر عودة ابنها. صورة قرية تحاول أن تستعيد حياتها بعد الحرب. هذه الصور لا تحتاج فقط إلى موجة تعاطف مؤقتة، بل إلى تغيير في طريقة النظر إلى الجنوب نفسه. فالجنوب ليسَ ورقة في الصراع السياسي، وليسَ مساحة جغرافية تُستدعى فقط عند الحديث عن المقاومة أو السلاح أو إسرائيل. الجنوب مكان يعيش فيه لبنانيون لهم الحق نفسهُ في الأمان والحياة والمستقبل. وفي النهاية ربما تكون الصورة التي هزّت بيروت قد كشفت لنا أكثر مما أظهرته. كشفت أنّ لبنان ما زال يعيش كثيراً داخل حرب الرموز، بينما يحاول الناس الخروج من حرب الواقع. وحين تصبح الصورة أكبر من الحرب يصبح الخطر أن يضيعَ الإنسان الذي يقفُ خلفها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث