"مراسي": اقتصاد ريعي للمعازل الطبقية

شادي لويسالأربعاء 2026/07/29
منتجعات مراسي في مصر (الانترنت)
قلق طبقي عميق لا يكتفي بالعزلة عن الخارج (الانترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

مع الوقت تتفتت الخريطة المصرية، وهي تتحول إلى كانتونات إسمنتية متفرقة تفصلها الأسوار، وأكواد المرور المولّدة رقمياً للملّاك والزوار، ومخاوف الاختلاط الطبقي. 

 

وسط الكثير من الصخب غير المتعاطف على وسائل التواصل الاجتماعي، لجأ 21 من ملاك منتجع مراسي، الواقع على الساحل الشمالي على البحر المتوسط، إلى القضاء من أجل اختصام الشركة المالكة، التي تعود إلى رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار. يدور الخلاف القانوني حول الكلفة المبالغ فيها التي تطلبها  الإدارة للسماح لضيوف الملّاك بالدخول إلى شواطىء المنتجع، التي تصل إلى 1000 دولار، وكذلك رسوم الإدارة السنوية والغرامات المفروضة عليهم. الخلاف الإداري البسيط كان يمكن أن يتم حله قضائياً من دون ضجة، لكن ما تكشفه القضية يتجاوز مجرد خلاف تعاقدي محدود، ويأخذ أبعاداً وطنية أوسع، وبالأخص حين تثار مسألة تحكم رأس المال الخليجي/ الأجنبي في المجتمعات المحلية ومواردها. 

 

بشكل تدريجي، قامت الحكومات المتعاقبة، منذ تطبيق سياسات الانفتاح، بخصخصة الساحل الشمالي للبلاد ووجهته البحرية بالكامل على البحر المتوسط. ضخت الدولة المصرية مليارات الجنيهات من الميزانية العامة لمصلحة البنية التحتية لتلك المنتجعات الصيفية، التي لا يزيد نسبة إشغالها النصف خلال شهور معدودة كل عام. ثمة تمييز طبقي في السلوك الاستثماري الحكومي، وقصور في التخطيط الاقتصادي، اكتفى بتشجيع قطاع الإنشاءات على حساب القطاعات الإنتاجية والإنمائية، ذلكَ في دورات لا تنتهي من أجل تنشيط دورة رأس المال المحلي. 

 

في ظل معدلات التضخم المحلية العالية وحالة عدم الأمان السياسي، لجأ أصحاب المدخرات من الموسرين إلى العقارات لحفظ قيمة ثرواتهم. قدمت مراسي وغيرها من المنتجعات والأحياء الحضرية المسورة، نمط حياة مميزاً للقادرين، وكذلك مخزناً للقيمة يضمن كلّاً من القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية في بورصة العقارات المرتفعة باستمرار. علاوة على ذلك، وفرت الوحدات العقارية فرصاً لتوليد الريع الدوري للملّاك، عبر تأجيرها. 

قُدمت للاستثمارات المحلية ولاحقاً الخليجية فرصة ذهبية في سوق العقار الطبقي، مورد طبيعي في صورة ساحل ممتدد بيعت أراضيه بأسعار زهيدة أو شبه مجانية، ودعم حكومي هائل في صورة مرافق مجانية وقروض ائتمانية ميسرة وإعفاءات ضريبية، علاوة على أيدي عاملة رخيصة ومؤقتة. وجدت شركات الاستثمار العقاري، طلباً متعطشاً يبحث في المنتجعات الخرسانية عن الأمان الطبقى والمالي. بالنسبة للعائد الربحي، في أحيان كثيرة حصلت الشركات مقدماً على تكاليفها المبدئية، وجاءت أرباحها من مصدرين، بيع الوحدات أولاً، ولاحقاً أرباح ريعية في صورة رسوم إدارة المنتجع السنوية. هكذا صار المنتجع دجاجة تبيض ذهباً للشركات، ومساحة لممارسة سلطات شبه سيادية على السكان/ الملاك، والزوار/ الدخلاء، وعلى الموارد الطبيعية ممثلة في الشريط الساحلي وبواباته ونقاط اتصاله بالخارج وأسواره الفاصلة، والأهم السلوكيات الاجتماعية في الداخل. 

 

من بين شكاوى ملّاك مراسي هي المبالغة في قيمة الغرامات المالية التي تفرضها الشركة عليهم في حالة مخالفاتهم للقواعد، ومن ضمنها غرامة على نشر الغسيل في النوافذ أو الشرفات. تقرر إدارة المنتجعات مدونة للسلوكيات الاجتماعية ذات خلفية طبقية على الملّاك وزوارهم، وتفرض تلك المدونة بآليات للضبط والعقاب، تتراوح بين الحلول الأمنية المباشرة إلى الغرامات المالية. تلك المدونة والنقاء الاجتماعي الناتج عنها، تبرر التكاليف المرتفعة لإدارة المنتجع واستخدامه، وتعبر عن قلق طبقي عميق لا يكتفي بالعزلة عن الخارج، بل يفرض قواعد شديدة الصرامة في الداخل. مع الوقت، تنقلب تلك القواعد على نفسها، وتتحول إلى قمع اجتماعي، مولد للأرباح الريعية لصالح الشركات. 

بعد خصخصة الشواطىء المصرية وحرمان الأغلبية الساحقة من المواطنين من التمتع بالبحر، يتحول نموذج المنتجع المسور من مجرد سياسة استثمارية لتشجيع رأس المال الخاص إلى عقيدة للدولة التي تهرب بعاصمتها المسورة إلى عمق الصحراء. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث