ماذا لو لم يتدخل الأسد في لبنان؟

عمر قدورالثلاثاء 2026/07/28
B3-CF758_1031sy_IM_20181031144341.jpg
هناك ملايين السوريين ممن يتوقون إلى الثأر من حزب الله (الأرشيف)
حجم الخط
مشاركة عبر

رغم مرور نصف قرن على دخول القوات السورية إلى لبنان، إلا أننا نزعم أن الحدث لم ينل نصيبه المستحق من التفكير سوريّاً، بل لم يكن في معظم الأوقات محلّ استهجان، باستثناء نخبة ضيقة من السوريين أدانت التدخل في حينه، ثم نخبة أخرى أثناء "ربيع دمشق" أدانت وصاية الأسد على لبنان ومفاعيلها. على القاعدة ذاتها تقريباً، لا تُناقش فرضية التدخل السوري اليوم بآثارها المستدامة المتوقَّعة، بل يتمحور النقاش على الضفتين حول تصور محدود زمنياً لميزان الأرباح والخسائر.

 

مؤخراً، بعد إلحاح ترامب على فرضية التدخل السوري ضد حزب الله، عاد موضوع التدخل ليكون مغرياً، وبدأت أوساط السلطة في سوريا تفكر جدياً في منافعه، رغم أن الأوساط نفسها تودّ استبعاد التدخل العسكري الواسع، بسبب عدم الجهوزية لهذا الاحتمال ليس إلا. بعد الرفض المطلق للتدخل راحت التصريحات تتراخى لتشير إلى تدخل أدنى مما يلوّح به ترامب، مع استعادة الكلام القديم عن الأمن المشترك للبلدين، بما يمهّد للتدخل تحت عنوان أمن سوريا، وقد نشهد استعادة الحديث عن الخاصرة الرخوة ودور الشقيق الأكبر... إلخ. للتمعّن فيما حدث في الأمس، وما لم يحدث، وفيما قد يحدث اليوم  وآثاره، سيكون من الجيد التفكير فيما لو لم يتدخل الأسد في لبنان في حزيران 1976، ما الذي سيكون عليه الحال في البلدين؟

نسترجع بإيجاز ما كان عليه حافظ الأسد قبل التدخل في لبنان، فمن المعلوم أنه تسلم السلطة بانقلاب عسكري على رفاقه في الحزب، بعد أن أمسك بمقاليد الجيش بفضل استلامه وزارة الدفاع. لم تكن هناك قوة تنازع الأسد على الحكم في تلك الفترة، إلا أن القبول برئيس غير سُني لم يكن ليمرّ بسهولة مطلقة، وهذا ما رتّب عليه القيام بخطوات لإقناع البرجوازية السُنية وغيرها بأنه خيار أفضل من رفاقه الذي كانوا يذهبون يساراً، والبعض منهم راح يتمثّل النموذج الصيني-الماوي، بينما كانت علاقاتهم تتدهور مع المحيط العربي.

 

يجوز وصف السنوات الأولى من حكم حافظ الأسد بأنها المرحلة التي سعى فيها لاكتساب شرعية داخلية، ذلكَ تُوِّج بحرب تشرين 1973 التي منحته شرعية وشعبية واسعة. ومن المهم الانتباه إلى أن تلك الحرب كانت بوابته إلى المحيط العربي الذي ساند سوريا ومصر في الحرب، ثم بعدها، وعلى نحو خاص كانت الحرب مناسبة للانفتاح على الدول الخليجية والحصول على مساعدات ضخمة. لم يكن الفساد قد استشرى إلى حد كبير بعد، وسُجّلت فوائض غير مسبوقة من احتياطي النقد الأجنبي في المصرف المركزي، وهذا ما انعكس على المستوى المعيشي العام، ولعل السنوات التي تفصل بين نهاية الحرب والتدخل في لبنان هي من أفضل السنوات على كافة الأصعدة.

 

كانت مفاوضات فضّ الاشتباك بعد الحرب مناسبةً لفتح قناة تواصل بين الأسد وواشنطن، لكنها لم تصبح ذات أهمية إلا مع الضوء الأخضر الأميركي له كي يدخل لبنان، مع التذكير بأن الحليف الروسي آنذاك كان ضد دخوله. القناة بينه وبين واشنطن جعلت الأسد أكثر اطمئناناً إلى وجوده في السلطة، هذه المرة بفعل الرضا الدولي من القوتين العظميين، لا من الرضا المحلي الذي كان يسعى إليه من قبل. وقد تُرجم الرضا الأميركي، على نحو خاص، ببروزه كزعيم إقليمي، حيث راحت تتضح حينها ملامح ترويكا إقليمية بين القاهرة والرياض ودمشق.

دخل الأسد البوابة اللبنانية، ومع دخوله انقلب الوضع في الداخل السوري. فالطائفية راحت تنتعش في سوريا على نحو غير مسبوق، والفساد أيضاً راح يتفاقم في كافة المفاصل الحكومية بما فيها الجيش، سواء الموجود منه في لبنان أو في سوريا. ولا غرابة في أن النظام المخابراتي راح ينتعش ويتضخم في الوقت نفسه، وراح يتزايد قمع النشاط الحزبي السري بدءاً من اليسار. أما العقيدة المستجدة فكانت إرهاب الداخل بدلاً من التقرّب إليه، ومن أجل إحكام السيطرة عليه صار تضخم أجهزة المخابرات ضرورياً، وبلا حدود، لأن الإحكام المطلق للسيطرة يتطلب تغولاً لا إشباع فعلياً له.

 

يستحق ما حدث فعلاً منذ التدخل في لبنان تمريناً ذهنياً، يُفكَّر به فيما لو لم يتدخل الأسد في لبنان، أو بالأحرى فيما لو لم يُسمح له بالتدخل. هذه الفرضية تسمح لنا بالقول إنه ما كان ليحصل على مكانة إقليمية، ورعاية دولية، كاللتين حصل عليهما بتدخله في لبنان، ثم باستغلاله هذا التدخل حتى لابتزاز القوى التي رعت وجوده هناك. وتسمح لنا أيضاً بالجزم بأنه ما كان ليأخذ وضعية "الزعيم" المتفرّغ للسياسة الخارجية، مع إشاحة الوجه عن الداخل باستثناء ما يفرضه الملف الأمني أحياناً، أو ضرورات الحكم، فلم يكن من المصادفة أن كان الجمود من نصيب الداخل حتى اقتضى مشروع التوريث تحريكه.

 

إن الصورة المتخيَّلة، والواقعية، لحافظ الأسد، من دون نفوذه في لبنان، هي صورته في سنواته الأولى عندما كان يسعى إلى نيل الرضا في الداخل. أي إن الخروج كان استغناءً عن الداخل، ومهما قيل (عن حق) إن اللبنانيين تضرروا من وصايته عليهم، فإن الضرر الذي وقع على السوريين قد لا يقل فداحة، لأنه استقوى بنفوذه اللبناني عليهم. الأمر هنا مختلف كلياً عن الدول الديموقراطية التي تقوى بنفوذها الخارجي، فتداولُ السلطة في هذه البلدان لا يسمح لأية حكومة بادخار النفوذ الخارجي لمصلحة ذاتية وللاستقواء به على الداخل.

كان منطقياً تماماً تشبّثُ الأسد الأب ثم الابن بالبقاء في لبنان، بما أنه صار مصدر القوة الأكبر لهما، والحال معكوساً هو ما ظهر عندما اضطر الابن إلى الانسحاب من لبنان، ثم بذل أقصى جهوده الإرهابية هناك للقول إنه لم يفقد نفوذه تماماً. ولم يكن من المصادفة أن حاول إعلام الثاني منهما استنهاض الشعور بسوريا، فقط من أجل الرد على تيار الاستقلال اللبناني آنذاك، أي إنه اضطر إلى توسّل الداخل عندما ضعف خارجياً.

 

مع ذلك لم يكن انسحاب القوات السورية بمثابة اللحظة التأسيسية لصفحة جديدة في العلاقة بين البلدين، فنُظر إلى لحظة سقوط الأسد بوصفها الأنسب لفكّ العقدة التاريخية بينهما. إلا أن استثمار هذه اللحظة لا بد أن يمرّ أيضاً عبر وعيها لبنانياً، وعبر التخلّص من القابلية اللبنانية للتدخل السوري، القابلية التي تناوب عليها معظم القوى اللبنانية. ولئن كان الانقسام اللبناني مزمناً فإن وجود طرف ما يرتهن لدمشق، أو يمتثل لإرادة دولية تسمح بالتدخل السوري، هو أكبر نجاح مستدام للوصاية السورية السابقة، وأكبر فشل للكيان اللبناني. أيضاً يستحق عهد الوصاية تمريناً ذهنياً من قبيل: ماذا لو لم يتدخل الأسد حينها؟ وباستعارة من عبارة شهيرة لكافافي: ما الذي كان سيفعله اللبنانيون من دون "برابرة"؟

 

لقد كرر ترامب في العديد من الأحاديث، ومنها أمام الرئيسين اللبناني والسوري، فكرته الخاصة بالتدخل السوري في لبنان، مؤكّداً توفّر الرغبة لدى الشرع كي يفعل شيئاً ضد حزب الله. ومع توالي تصريحاته تدرّجت أقوال السلطة وبيئتها في سوريا من رفض التدخل بشكل كلي إلى القبول بتدخل غير عسكري، وهذا ما قد يكون توطئة لتراجع آخر لاحقاً، بينما على الضفة اللبنانية لا يبدو أن هذا كله قد استثار رفضاً مطلقاً للتدخل.

أشرنا إلى أن السوريين بغالبيتهم لم يفصحوا عن رفض لوصاية الأسد على لبنان، أو رفض لمبدأ الوصاية نفسه، ولا شك أن هناك ملايين ممن يتوقون إلى الثأر من حزب الله بسبب تدخله لدعم الأسد بعد الثورة. أصحاب الثأر، ومنهم نسبة كبيرة ممن صاروا مؤيدين، لا يريدون التدخل، لكنه رفضهم له لا يتعلق بالمبدأ، أو بنوايا طيبة تجاه اللبنانيين. وإذ نؤكد أنَّ رفض التدخل يجب أن يكون في المقام الأول مطلباً سورياً "أنانياً"، ليكون راسخاً، فالرفض يجب ألا يقترن بالخوف من عواقب التدخل على السلطة، إذ من المحتمل ألا يأتي الخطر من فشلها هناك بل من "نجاحها".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث