حين تُقدِم دولة تدير شبكة معقدة من المصالح الإقليمية كإيران على خطوة بالغة الخطورة، مثل قصف ناقلات النفط في الممرات المائية الدولية، يجد المراقب نفسه أمام حيرة معرفية حقيقية: كيف يمكن لنظام يضم ملايين المشتغلين بالسياسة، ويملك سلكاً دبلوماسياً محنكاً فاوض كبرى عواصم العالم، أن يسقط في هذا الغباء الاستراتيجي الكارثي؟
الجواب لا يكمن في نقص الذكاء الفردي، بل في بنية العقل العقائدي، الذي يقرأ العالم من خلال أوهامه الخاصة، ويسقط أدوات البازار المحلي على مسرح العلاقات الدولية الفج.
لقد دار في أذهان هؤلاء القادة رهان مقامر بُني على ثلاث أساطير:
الأسطورة الأولى: أن قصف الناقلات سيرفع أسعار الوقود في محطات البنزين الأميركية، فيشكل ضغطاً انتخابياً خانقاً يقيد يد الإدارة الأميركية. وما تجاهلوه في الواقع هو أن الولايات المتحدة تحولت إلى أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، وأن المتضرر الحقيقي من خنق مضيق هرمز هو الدول الآسيوية المستوردة، وعلى رأسها الصين، تليها أوروبا.
الأسطورة الثانية: الاعتقاد بأن أوروبا قوية بما يكفي ومستعدة لتمرد سياسي وعسكري يلجم الاندفاعة الأميركية ويساند طهران. وهذا يعكس وهماً يفيد بأن العواصم الأوروبية، أقل تشدداً حيال المغامرات. وأقرب سياسياً لإيران منها لأميركا. فهذه العواصم رغم نعومة خطابها أحياناً، تعيش تحت مظلة الحماية الأمنية والمالية الأميركية، وأي ألم اقتصادي سيقودها إلى الاحتماء بواشنطن لا بطهران. ثم ما الذي تملكه طهران حقاً لتستعيض هذه العواصم عن واشنطن به؟ حتى الصين، في خضم التوتر بين أوروبا وأميركا لم تنجح في أن تشكل بديلاً مقنعاً.
الأسطورة الثالثة: القراءة المقلوبة للعلاقة بين واشنطن والوكيل الإسرائيلي. لقد ابتلع مؤسسو الخطاب الأيديولوجي هذا بروباغندا صنعوها بأنفسهم، تقول إن إسرائيل هي التي تتحكم بالقرار الأميركي. لم يفهموا أن الكائن الذي يتغذى من شرايين أميركية لا يمكنه التحكم بالجسد بأكمله، وأن إسرائيل في نهاية المطاف قاعدة استراتيجية للمشروع الإمبراطوري الأميركي، وأن اندفاعاتها العسكرية الأخيرة ليست دليلاً على سيطرتها، بل على خوفها من قراءات أميركية أوسع قد تقلّص سطوتها. على هذا عمدوا إلى محاولة إيلام إسرائيل، بوصف الألم الإسرائيلي يتحول في أميركا إلى جرح نازف وخطير.
هذا القصور جعلهم يظنون أنهم يبتزون عدوهم بتهديد قلبه، بينما كانت الماكينة الدولية الكبرى قد قررت إغلاق اللعبة وإعادة ترتيب الخريطة، ولم تلبث أن أثبتت أن ما ظنوه قلبها ليس أكثر من طرف صناعي يمكن استبداله أو الاستغناء عنه حين تدعو الحاجة لذلك.
ما الذي نتج عن هذا الوهم حقاً ويمكن البناء عليه في المستقبل، لمن يحسن أن يبني؟ حين ترد إيران على الاعتداء الأميركي بمنطق شمشوني يقوم على إيلام العالم بدلاً من إيذاء أميركا، فإنها تغامر في أن تضع نفسها مباشرة في موقع المشكلة العالمية، التي يوماً بعد يوم تجعل من الصعب على كل دول العالم التعايش معها على أي نحو. أن ترد على أميركا بقصف من تعتبرهم حلفاءها، وتهدد سلاسل إمداد النفط الذي ما زال حتى اليوم الدم الذي يجري في عروق الاقتصاد العالمي، فهذا لن يعني في أي حال من الأحوال أن الدول المتضررة، وهي العالم كله في هذه الحال، ستعاقب أميركا. ذلكَ أن هذا الرد لا يقع على أميركا بل على العالم. في هذه الحال فإن من يتبع هذه الخطى يستعرض خطاباً متهافتاً خلاصته: على العالم أن يتوسل أميركا للتوقف عن تدمير إيران، لئلا ترتفع أسعار الوقود في عواصمه بشكل لا يستطيع احتماله. جيد. من قال إن الخيار الآخر ليس هو الأقرب إلى التبني. الخيار الذي يقول: هذه الدولة تعتدي على أمننا الاقتصادي والغذائي، ويجدر بنا أن نتخلص من كل أسباب قدرتها على الشغب. لأنها تعتدي حقا على العالم بأسره؟
لقد فرضت إيران الحجاب على نفسها منذ انتصار الثورة. سعت دائما للاكتفاء بمفاهيمها وتاريخها ومعتقداتها، وحتى صلاتها مع العالم. يومها كان الحلم بالاكتفاء ممكناً، مع أن تحققه بالغ الصعوبة، اليوم نحن ندرك أن تحقق الاكتفاء مستحيل، والانعزال لا يعني غير الموت البطيء، أو السريع، بحسب خطط الطامح إليه وخطط خصومه على حد سواء. لقد حكمت على هذه الثورة على نفسها بالخروج من العالم. توهمت وأوهمت مناصريها بأنها لاعب أساسي في حلف يتشكل قد يجعل العالم برأسين ووجهين وجسدين. لكن هذا الحلف سرعان ما بدا أضعف حبكة وتواصلاً من أن يدافع عن أي من المنتمين إليه افتراضاً. ففي حين كانت طهران تفترض أن الحلف هو رابطة مبدئية شبه إيديولوجية، كان الأعضاء الآخرون في هذا الحلف لا يرون فيه أكثر من تجاور في مقاعد القطار بين محطتين.
حركات المقاومة- الأطراف
هذه الخفة المعرفية تقودنا مباشرة إلى المفصل الأخلاقي الأكثر قسوة في تاريخ الحركات المؤدلجة التي شكلتها إيران واستخدمتها كأذرع بعيدة عن الجسم لحماية الجسم من احتمالات الرد.
استرخاص دم الأهل
الواقعية السياسية تقول إن النظام الدولي مبني على تراتبية غير عادلة للدم. فالدم الأميركي أو الأوروبي، بفعل قوة الدولة والمؤسسات، باهظ الثمن وله حسابات سياسية معقدة، بينما يبدو الدم في الأطراف أقل قيمة في بورصة القوى الكبرى.
لكن هذه الحركات، وبدلاً من العمل على رفع قيمة دم أهلها وحماية مجتمعاتها، أمعنت عبر التاريخ في جعل هذا الدم أرخص من أي دم آخر، محوّلة المجتمع بأكمله إلى مجرد أداة وظيفية لخدمة العسكرة. إذ ما الذي يعنيه حقاً أن تركز هذه القوى المؤدلجة جل اهتمامها في بناء الأنفاق لحماية المقاتلين وتخزين السلاح، في حين يترك الاجتماع المقيم في القرى والمدن تحت رحمة الطائرات والمدافع في أي حرب قد تنشب؟ إنه يعني بوضوح أن حياة المقاتل أهم من حياة المدني. وأن المدني هو من يجب أن يموت فداء للمقاتل. على أي حال، هذه الشعارات التي تفدي المقاتلين وقادتهم أكثر من أن تحصى وأصخب من أن نعتبرها حالاً عابرة. هذا سلوك يفيد أن حياة المدنيين وأرواحهم هي مجرد "كاموفلاج" لحياة الأنفاق. والحال، على هذا الاجتماع أن ينجب أولاداً، وأن ينشئ مدارس على عجل وأن يفتتح مصالح ويدير أعمالاً، بوصف كل هذه النشاطات الحيوية مجرد ديكور في مسرح، وليست روابط حياة.
الأنفاق تفترض بنيوياً أن مهمة المقاتل العقائدي هي الاختباء في عتمة الباطن، بينما مهمة غير المقاتل؛ أي المواطن، هي أن يموّه عنه فوق الأرض باختبار الحياة اليومية. وبهذا يتم تحويل النفق من وسيلة للحماية على الجبهات، إلى الحقيقة الصلبة للبلاد. وتحويل كل ما عداه، سواء كان متعلقاً بحياة الناس أو بأرزاقهم ومستقبلهم إلى مجرد ستارة دخان لخداع العدو.
حين تصبح حياة الناس مجرد أداة تمويه، تسقط قيمتها أولاً في عين المقاوم نفسه قبل أن تسقط في عين العدو. فيصبح هلاكهم وفقدان أرزاقهم مجرد كلفة جانبية مقبولة لسلامة النفق.
عسكرة الرموز والمفارقة القاتلة لحماية الضحية
لم يتوقف هذا التدمير القيمي عند حدود الجغرافيا، بل امتد ليعبث بالسيمياء الثقافية والاجتماعية للحياة اليومية، ويحوّل رموز العيش الهادئ إلى أدوات مواجهة. ذلكَ أن هذه الجماعات لم تنتبه إلى طبيعة مركز قوتها الأساسي في حروبها غير المتكافئة: افتراض أن العالم سيتضامن مع الضحايا المدنيين العزل. بل استخدمت خطاباً ثورياً بلاغياً، قام بتحويل الضحايا جميعاً إلى مقاتلين. ألم يعلن قادة هذه المقاومات مراراً أن كل شيخ هو مقاوم وكل رضيع هو مقاوم وكل امرأة هي مقاومة؟ ما الذي كانت تعلنه هذه الخطابات سوى نزع الصفة المدنية عمن هم في أمس الحاجة إليها؟ ونزع سلاح فعال كان يستخدم دائماً لإدانة العنف المنفلت من عقاله الذي يمارسه العدو، والتضامن مع الضحايا، خصوصاً حين تكون هذه الحرب مع إسرائيل؟
هذه البلاغة الانتحارية، أوقعت المقاومة في فخ مدمر: كيف تطالب العالم بحماية المدنيين، وأنت نفسك تنزع صفة المدنية عنهم؟ لقد حيدت الأيديولوجيا المقاومة آخر سلاح أخلاقي كانت تملكه، ألا وهو سلاح الضحية. فالكائن الدولي، الذي كان من الممكن أن تحركه صورة الضحية المستباحة، يقف اليوم متفرجاً بعد أن أقنعته الميليشيا بأن هذا المجتمع من أطفاله إلى شيوخه ليس سوى خط إنتاج حربي. لقد خاضت هذه المقاومات، من حزب الله إلى حماس حروبها ومناوشاتها ضد عدو أقوى منها بكثير، وأوزن حضوراً في العالم، ولأنها كانت تعاني من هذا التفاوت، لم تجد إلا أن تغير معايير النصر والهزيمة. كل ما فعلته هذه الحركات لتغيير الموازين هو رفض الهزيمة مهما كانت الخسائر. وهي في سعيها المحموم لتحقيق هذا المعيار ساهمت في تدمير كل الدروع التي كانت تعفيها من التعرض للإبادة.
إنها المأساة الكاملة لعقل البازار حين يتوهم أنه يدير التاريخ بلغة الحرائق، فلا يحصد إلا الرماد والصمت الدولي. وأخطر ما في هذا العقل العقائدي أنه لا يهزم خصومه قبل أن يهزم مجتمعه. لأنه ينطلق من اعتبار الناس رأسماله الرمزي، ثم ينتهي باعتبارهم مادة استهلاكية لحربه. وحين يكتشف العالم هذه الحقيقة، لا يبقى من البطولة سوى الأنقاض.




