فلسفة هيدغر في ولاية الفقيه!

مصطفى علّوشالخميس 2026/07/23
مارتن هايدغر (Getty)
لم يطرح هيدغر أبداً نظرية في الحكم الديني (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"وحده إله ينقذنا"، من كلام مارتن هيدغر في مقابلة مع "دار شبيغل" نشرت بعد وفاته سنة 1976.

 

ليست كل الفلسفات قابلة للهجرة بعيدًا عن موطن نشأتها. بعض الأفكار تظل أسيرة لغتها الأولى وسياقها التي وُلدت فيه، وبعضها الآخر يعبر الحدود ويبدأ حياة جديدة في جغرافيا أخرى، لكن بعد أن يتبدّل معناه. هذا، إلى حد بعيد، ما حدث مع مارتن هيدغر في إيران. فالفيلسوف الألماني الذي انشغل بسؤال الكينونة (الوجود البشري)، وبنقد الحداثة التقنية، وبالتحذير من اختزال العالم إلى مادة جاهزة للحساب والاستعمال، لم يبقَ في إيران مجرد اسم في تاريخ الفلسفة الأوروبية، بل تحوّل عند بعض المفكرين إلى جزء من معركة حضارية ضد الغرب، وإلى خزان مفاهيمي استُخدم في تبرير خطاب سياسي وديني، بل وفي إضفاء عمق فلسفي على مناخ انتهى، عند بعضهم، إلى تبرير ولاية الفقيه بوصفها حصنًا روحيًا في وجه العدمية الحديثة. هذا التحول لم يكن قراءة بريئة لهيدغر في ظل سياق فكري وثقافي، بل كان إعادة توظيف جذرية له لخدمة فكرة ولاية الفقيه بإعطائها بعدًا فلسفيًا غربي المنشأ، بدلاً من استنادها بالكامل إلى الاجتهاد الديني. حتى إن بعض الباحثين يعدّ التجربة الإيرانية واحدة من أكثر صور إعادة اختراع لهيدغر لتسويغ فلسفة ولاية الفقيه.

في أوروبا، ظل هيدغر، رغم كل الجدل السياسي الذي يحيط بسيرته، فيلسوفًا يُقرأ أساسًا داخل أسئلة الأنطولوجيا ونقد الميتافيزيقا وفلسفة التقنية واللغة والشعر. أما في إيران، فقد دخل في سؤال مختلف تمامًا هو كيف يمكن مقاومة الحداثة الغربية من دون الاكتفاء بالشكوى الأخلاقية منها، ومن دون الارتماء في أحضان الليبرالية أو الماركسية؟ هنا لم يعد هيدغر مجرد مفكر عن الوجود، بل صار عند بعض الإيرانيين مفكرًا باحثًا عن مصير الحضارة وعن غرب مأزوم روحياً يجرّ العالم كله إلى عدميته. هكذا خرج هيدغر من قاعة الفلسفة إلى ميدان الهوية والسيادة والمقاومة الثقافية.

المدخل إلى هذه الهجرة الفكرية كان مفهوم هيدغر الشهير عن التقنية. فهيدغر لم يقل إن الخطر يكمن في الآلات بحد ذاتها، ولا في مجرد التقدم الصناعي، بل في نمط الانكشاف الذي يجعل العالم كله يظهر بوصفه مخزونًا جاهزًا للاستعمال. هذا ما عبّر عنه بمفهوم التأطير أو الاستدعاء القسري للعالم لكي يمثل أمام الإنسان في صورة مورد، واحتياطي، وطاقة، وشيء قابل للحساب والتنظيم. في هذا الأفق، لا تعود الطبيعة موطنًا أو حضورًا، بل مستودعًا يأخذ منه البشر ما رغبوا من موارد، ولا يعود الإنسان كائنًا منفتحًا على المعنى، بل عنصرًا وظيفيًا داخل منظومة إدارة وإنتاج. هذه هي الفكرة التي وجدت في إيران ما هو أكثر من صدى برغبة عميقة في تحويلها إلى اتهام حضاري موجّه إلى الغرب كله.

 

أحمد فرديد ونقل هيدغر إلى ولاية الفقيه

هنا ظهر أحمد فرديد. فلا يمكن فهم هيدغر الإيراني من دونه. ففرديد هو الاسم الأكثر التصاقًا بمحاولة إدخال هيدغر إلى السياق الإيراني، ليس كمجرد مترجِم لأفكار أوروبية، بل كمنظّر لمواجهة تاريخية مع الغرب. وتشير الدراسات الأكاديمية الحديثة إلى أنه كان شخصية محورية في نشر قاموس فلسفي وسياسي جديد داخل إيران، وإلى أنه ارتبط بشدة بمفهوم "غربزدگی"، أو "التسمم بالغرب، الاستغراب المرضي، الاستلاب أمام الغرب"، وهو المفهوم الذي اقترن لاحقًا أكثر بكتاب جلال آل أحمد، لكن كثيرًا من الأدبيات تنسب جذره الاصطلاحي أو دفعته الأولى إلى فرديد.

لم يكن مبدأ "غربزدگی" مجرد نقد للاستعمار أو للنفوذ السياسي الغربي، بل كان شيئًا أعمق لكونه تشخيصًا لهيمنة ميتافيزيقية. الغرب، في هذا المنظور، ليس مجرد قوة دولية بل حالة وجودية ونمط كشف للعالم وقدر تاريخي يجعل الإنسان منقطعًا عن المعنى الأصيل للوجود، مسجونًا في الحساب والتقنية. وهنا بالتحديد بدأ هيدغر يُستدعى في إيران باعتباره شاهدًا من داخل الفلسفة الغربية على مرض الغرب نفسه. لقد صار الرجل الذي ينتقد الحداثة من داخلها، وهذا ما جعله مغريًا جدًا لكل من أراد أن يقول "لسنا نحن فقط من يشكو الغرب، فإن أحد أعظم فلاسفة الغرب نفسه قد فضح عدميته". 

لكنه لم يكتفِ بهذا، فقد أضفى على هذا النقد طابعًا شبه نبوئي، حتى إن بعض الدراسات تصف فلسفته بعد الثورة بأنها تشبعت بلغة "اللقاء الإلهي" و"الرؤى الأخروية" وقراءة التاريخ على نحو يكاد يكون رؤيويًا أو أبوكاليبتيًا. ومن هنا لم يعد نقد الغرب عنده مجرد تحليل فلسفي، بل تحوّل إلى تمهيد لبديل "روحي" أو "إسلامي" أو "شرقي" يواجه خراب الحداثة. هنا بدأت المسافة تتسع بين هيدغر كما كتب، وهيدغر كما استُخدم.

 

دور التصوف في المنطق الإيراني 

ولكي يكتمل هذا الانتقال من الفلسفة إلى البديل الحضاري، كان لا بد من جسر آخر هو "العرفان الإسلامي". عند هذه النقطة حاول بعض المفكرين الإيرانيين أن يجدوا قربًا ما بين لغة هيدغر حول الحقيقة بوصفها انكشافًا، ولغة العرفان عن الكشف والتجلي، بين نقده للموضوعية الحديثة، ورؤية صوفية تعتبر العالم مظهرًا للحق لا مادةً للاستغلال فقط. ولا شك أن هناك في إيران الحديثة من رأى أن "هنري كوربان" نفسه ساهم في ترسيخ بيئة فكرية تسمح بهذا النوع من التقاطع بين الفلسفة القارية الغربية والروحانية الشيعية والعرفانية. وتشير بعض الدراسات إلى أن كوربان كان من الذين أسهموا في إدخال فلسفات مثل فلسفة هيدغر إلى النقاش الإيراني حول الروحانية الشيعية.

هكذا بدأت تتكوّن صيغة ثلاثية شديدة الإغراء، هيدغر يقدّم نقد الحداثة، والعرفان يقدّم أفقًا روحيًا بديلًا، والثورة الإسلامية تقدّم إمكانية الترجمة السياسية لهذا البديل. ومن هنا جرى، عند بعض الأوساط، رفع مفهوم ولاية الفقيه من كونه نظرية فقهية في الحكم والنيابة والوصاية السياسية إلى كونه موقعًا حضاريًا، مركزًا لحفظ المعنى، وصون الهوية، وقيادة المجتمع في مواجهة عالم تقني عدمي. في هذه القراءة لا يعود الفقيه مجرد مُفتٍ أعلى أو رأس سلطة، بل يتحول إلى "حارس" للاتجاه الحضاري، أو إلى مرشد يقف في وجه الانهيار الروحي الذي يسببه الغرب الحديث.

 

المفارقة بين طرح هيدغر الفلسفي والتحول السياسي 

لكن هنا بالتحديد يبدأ الإشكال الحقيقي. فهيدغر لم يطرح قط نظرية في الحكم الديني، ولم يدعُ إلى ثيوقراطية، ولم يكتب فلسفة للسلطة الدستورية أو للمرجعية الفقهية. كان مشروعه، في جوهره، أنطولوجيًا وهو سؤال عن معنى الوجود، وعن نسيان الكينونة، وعن الطريقة التي يظهر بها العالم في العصر الحديث. صحيح أنه كتب عن التقنية، وعن العدمية، وعن الشعر، وعن التحول، لكنه لم يقدم نظرية دولة. بل حتى عندما اقترب من السياسة في لحظة 1933 الكارثية، لم يفعل ذلك بصفته واضع فلسفة سياسية متماسكة، بل بصفته فيلسوفًا أساء فهم السياسة نفسها. لذا فإن أي ربط مباشر بين هيدغر وولاية الفقيه لا يمكن أن يكون "تطبيقًا" لنصوصه، بل هو، بأقصى تقدير، توظيف انتقائي لبعض مفرداته في مشروع لم يكتبه هو.

هذا ما جعل كثيرًا من الباحثين يتحدثون عن سوء فهم أو إعادة اختراع لهيدغر في إيران. بعض فصول كامبردج حول فرديد تصرّح بهذا تقريبًا صراحة، حتى إن أحد العناوين نفسها هو أنه أساء فهم هيدغر. ودلالة هذا ليست مجرد خلاف تأويلي بسيط، بل الإشارة إلى أن ما جرى لم يكن نقلًا أمينًا لفيلسوف ألماني إلى لغة فارسية، بل بناء جهاز مفهومي جديد يستخدم اسم هيدغر وسلطته الفكرية لإسناد رؤية أيديولوجية أوسع.

رضا داوري أردكاني يمثل هنا حالة أكثر تعقيدًا وأقل مباشرة من فرديد. فهو من أبرز الأسماء الإيرانية التي ارتبطت بقراءة هيدغر ونقد الحداثة، وقد أشارت دراسات عن الفكر الإيراني المعاصر إلى أنه استثمر بعض عناصر النقد الهيدغري للحداثة، لكنه صاغها داخل لغة إسلامية وإيرانية خاصة به. ومع ذلك فداوري، بخلاف القراءات الأكثر اندفاعًا، لا يساوي ببساطة بين هيدغر وولاية الفقيه، بل يتحرك في منطقة أوسع: في مجال نقد الليبرالية والاعتراض على مركزية الغرب والدفاع عن خصوصية تاريخية وثقافية إيرانية-إسلامية. لهذا يبدو أقرب إلى تأهيل مزاج فلسفي معادٍ للمركزية الغربية منه إلى اشتقاق حكم فقهي من الأنطولوجيا الهيدغرية.

مع ذلك، فإن الجو الفكري الذي ساهم فيه فرديد وداوري وغيرهما كان كافيًا لإنتاج شيء بالغ الأهمية هو تحويل هيدغر من ناقد للفلسفة الغربية إلى ناقد للحضارة الغربية برمتها، ثم تحويل هذا النقد الحضاري إلى ذخيرة رمزية يمكن أن تستفيد منها السياسة الإيرانية بعد الثورة. وهنا تصبح الفلسفة جزءًا من شرعنة تاريخية كبرى، فالغرب ليس فقط خصمًا جيوسياسيًا، بل هو تعبير عن انحطاط أنطولوجي، والثورة ليست فقط انقلابًا سياسيًا، بل محاولة لفكّ الارتباط مع نمط وجودي فاسد. هذا هو مستوى الراديكالية في القراءة الإيرانية بأنها نقلت سؤال هيدغر من "ما معنى الكينونة؟" إلى "كيف تنقذ حضارة نفسها من الغرب؟"

 

هشاشة الربط الفلسفي بولاية الفقيه

ومع ذلك، فإن هذا البناء كله بقي هشًا من الداخل. أولًا، لأن التجربة العرفانية الإسلامية، في صيغها الكبرى، ليست نظرية سلطة بل تجربة سلوك فردي وروحي ومعرفي. فلا يُشتق من ابن عربي دستور دولة، ولا من لغة الكشف نظرية مؤسسات. وثانيًا، لأن ولاية الفقيه نفسها هي تطور داخل الفقه السياسي الشيعي، لا داخل الفلسفة الظاهراتية ولا داخل فكرة التحليل القارية الأوروبية. وثالثًا، لأن هيدغر، حتى في أقصى لحظاته نقدًا للحداثة، لم يكن يبني حلًا إسلاميًا ولا قيادة روحية بالمفهوم الذي استقر في الجمهورية الإسلامية. هذه الفجوات لا يمكن سدّها إلا بالقفز التأويلي الذي مورس في إيران.

الأكثر إثارة أن توظيف هيدغر بهذا الشكل قد ينقلب على روحه النقدية ذاتها. فالرجل الذي حذّر من تحويل الإنسان إلى مورد ضمن منظومة تنظيمية كبرى، يمكن أن يُستدعى لتبرير نظام قد يعامل المجتمع بدوره بوصفه مادةً لمشروع أيديولوجي شامل. هنا تظهر المفارقة الكبرى إذ يمكن لنقد التأطيرأن يتحول هو نفسه إلى أداة تأطير جديدة، لا باسم السوق أو التقنية هذه المرة، بل باسم الأصالة والهوية والروح والحضارة. أي إن مقاومة الاختزال الأداتي قد تنتهي، بمفارقة، إلى اختزال آخر هو اختزال الإنسان في وظيفة داخل رواية سياسية عن الخلاص الجماعي. هذه ليست مجرد مفارقة فكرية، بل إنها مأزق تاريخي يتكرر حين تدخل الفلسفة مجال التعبئة.

وهنا يصبح السؤال الأهم، وهو لماذا كان هيدغر مغريًا إلى هذا الحد في إيران، أكثر من كانط أو هيغل أو هابرماس؟ الجواب، في تقديري، لا يكمن فقط في قوة نقده للتقنية، بل في أنه قدّم لغة فلسفية مضادة للحداثة من داخل الغرب نفسه، ومن دون أن تكون ماركسية أو ليبرالية. لقد وفّر إمكانية نادرة في أن تنتقد الغرب بفيلسوف غربي، وأن تعطي لهذا النقد عمقًا وجوديًا وحضاريًا، لا مجرد بعد أخلاقي أو سياسي. وفي بلد عاش أزمة طويلة مع التحديث القسري مع التبعية، ومع سؤال "كيف نأخذ من الغرب من دون أن نصير غربًا؟"، بدا هيدغر كأنه الفيلسوف العلاجي المناسب تمامًا للجرح المناسب.

 

كيف تتحول الأفكار المجردة إلى مشروع سياسي

لكن هذه الملاءمة لا تعني التطابق. فهيدغر الإيراني ليس هو هيدغر نفسه، بل هو، إلى حد بعيد، هيدغر وقد أُعيدت كتابته من داخل أزمة هوية، ومن داخل رغبة حضارية في مقاومة الغرب، ومن داخل مناخ ثوري كان يحتاج إلى سند فلسفي يرفع معركته من مستوى السياسة إلى مستوى المصير التاريخي. ولهذا السبب تحديدًا تبدو القراءة الإيرانية جذرية وانقلابية، لا لأنها فهمت هيدغر على نحو أعمق من الأوروبيين، بل لأنها استخدمته على نحو أجرأ، وأبعد، وأقل التزامًا بحدود مشروعه الأصلي.

في النهاية، لا تكمن أهمية هذه القصة في إيران وحدها، بل في الدرس الأوسع الذي تقدمه عن مصير الأفكار عندما تغادر موطنها. الفلسفة لا تنتقل بوصفها جوهرًا ثابتًا، بل بوصفها مادة قابلة لإعادة التشكيل حسب الأسئلة التاريخية التي تستقبلها. وعندما دخل هيدغر إيران، لم يدخل مكتبة فقط، بل دخل صراعًا على معنى الغرب، وعلى معنى الأصالة، وعلى شرعية الدولة، وعلى من يملك حق تمثيل "الروح" في زمن التقنية. لذلك فإن السؤال لم يعد هل كان هيدغر مع ولاية الفقيه أم ضدها؟ فهذا هذا السؤال ساذج بمجرد طرحه. السؤال الأعمق هو كيف أمكن لفيلسوف أراد تشخيص أزمة الوجود في الحداثة أن يتحول، في سياق آخر، إلى رصيد رمزي في معركة على السيادة والهوية والسلطة؟ هذا هو السؤال الذي يجعل "هيدغر في طهران" أكثر من حكاية تأثير فكري، إنه درس في كيف تتبدل الفلسفة حين تصبح سلاحًا.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث