ترامب وإيران: الحرب التي حذّر منها بريجنسكي

ليلى نقولاالأربعاء 2026/07/22
Image-1774287793
الحرب مع إيران خيار عالي الكلفة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

عادت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى التصاعد، وإن بوتيرة أقل من تلك التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية، ذلكَ بعد أن تبادل الطرفان الاتهامات بخرق مذكرة التفاهم التي كانت قد أوقفت جولة التصعيد السابقة.

وبعد أن وجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه عالقاً في دوامة حرب طالت أكثر مما يريد، يبدو من المفيد العودة إلى المفكرين الاستراتيجيين الأميركيين الذين انشغلوا بكيفية الحفاظ على المكانة القيادية للولايات المتحدة في النظام الدولي، وحفظ المصالح الأميركية في المناطق الحيوية، ومن هؤلاء زبيغنيو بريجنسكي.

بعد الحرب الباردة، انشغل بريجنسكي بسؤال مركزي في الاستراتيجية الأميركية: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تحافظ على موقعها القيادي في أوراسيا من دون أن تدفع القوى الإقليمية الكبرى إلى تشكيل كتل مناوئة لها؟ ومن هذا المنطلق احتلت إيران موقعاً مهماً في تفكيره الجيوسياسي. لم ينظر إليها بوصفها مجرد خصم أيديولوجي للولايات المتحدة، بل باعتبارها دولة محورية تقع عند تقاطع الخليج وآسيا الوسطى والقوقاز، وتمتلك من المقومات الجغرافية والديموغرافية والسياسية ما يجعل تجاهلها أو محاولة استبعادها من الترتيبات الإقليمية أمراً غير واقعي.

 

إيران في التصور الجيوستراتيجي لبريجنسكي

ينطلق بريجنسكي في أطروحته المحورية، التي جسدها في "رقعة الشطرنج الكبرى"، من تصنيف دقيق للفاعلين الدوليين. فهو يميّز بين "اللاعبين الجيوستراتيجيين"؛ أي الدول التي تمتلك الإرادة والقدرة على ممارسة القوة خارج حدودها لتعديل الوضع الجيوسياسي القائم، و"المحاور الجيوستراتيجية"، وهي دول تستمد أهميتها من موقعها الجغرافي. ورغم أن بريجنسكي تعامل مع إيران كدولة محورية جيوسياسياً، فإنه رأى أيضاً أنها تمتلك مقومات لاعب إقليمي قادر على التأثير في البيئة المحيطة به. هي ليست مجرد دولة إقليمية يمكن احتواؤها بأدوات تقليدية، بل قوة قادرة على إعادة تشكيل التوازنات في منطقة تمتد من الخليج العربي إلى آسيا الوسطى فالقوقاز.

ويُستفاد من مجمل مقاربة بريجنسكي أن التعامل مع قوى بهذا الحجم يكون أكثر فاعلية عبر آليات الاحتواء أو الإدماج الإقليمي منه عبر المواجهة العسكرية المباشرة، لأنه يحوّل اللاعب الجيوستراتيجي من حالة التوازن القابل للإدارة إلى حالة الانفلات غير المحسوب.

 

الموقع الجيوسياسي كدالة استراتيجية

تمثل إيران، بحكم جوارها لبحر قزوين والخليج وآسيا الوسطى، عقدة أساسية في معادلة نقل الطاقة من الحوض القزويني إلى الأسواق العالمية. في تصور بريجنسكي، يمكن لهذا الموقع أن يتحول إلى جسر يربط الغرب بآسيا الوسطى بعيداً عن الهيمنة الروسية، أو إلى عائق يعزز تلك الهيمنة. السيطرة على هذا المفصل لا تكون عبر تدمير الدولة التي تملكه، بل عبر التفاوض معها على شروط الوصول لتلك المناطق الحيوية لمنع هيمنة الآخرين عليها. الحرب المباشرة تلغي هذه الوظيفة "كجسر" وتحوّل إيران من معضلة جيوسياسية قابلة للحل إلى ثقب استراتيجي يبتلع الموارد الأميركية من دون أفق للاستقرار.

من مجمل مقارباته، ينظر بريجنسكي إلى الحرب مع إيران بوصفها خياراً عالي الكلفة قد ينتج نتائج عكسية على المصالح الأميركية. الحرب، برأيه، ليست مجرد خيار تقني بين خيارات، بل هي اعتراف ضمني بعجز الأدوات الأخرى، واللجوء إليها ضد لاعب جيوستراتيجي بحجم إيران لا ينهي التحدي، بل يعيد إنتاجه بأشكال أكثر حدة وأقل قابلية للضبط.

في النتيجة والواقع الحالي تستبطن الحرب الدائرة اليوم هذا العجز تحديداً. تحقق هذه الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران وعجزهما حتى الآن عن إنهائها، ما حذر منه بريجنسكي على مستويات أربعة: 

 

- إلغاء تصنيف إيران كلاعب جيوستراتيجي والتعامل معها كهدف عسكري قابل للردع بالضربات وهو ما فشل لغاية الآن. 

- تجاهل البعد الجيوسياسي لموقعها وتحويله إلى مسرح حرب وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الضغوط على الاقتصاد العالمي وأثّر في رغبة الرئيس الأميركي في الاستمرار بالحرب لأشهر طويلة.

- مضاعفة كلفة الاحتواء بدلاً من تقليصها عبر الدبلوماسية التفاوضية التي كادت أن تحصل من إيران على تنازلات كبرى في ملفها النووي (مباشرة قبل هذه الحرب الأخيرة) لم تكن قد قدمتها سابقاً.

- الاعتراف العملي بفشل أدوات القوة الناعمة والقوة الصلبة غير المباشرة في إسقاط النظام أو دفعه إلى تغيير سلوكه.

في النتيجة، لا تبدو الحرب الحالية مجرد مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بل تعبيراً عن انتقال واشنطن من مقاربة واقعية ارتبطت بأسماء مثل بريجنسكي إلى مقاربة أكثر ميلاً لاستخدام القوة المباشرة والضغوط القصوى، وهي المقاربة التي تبناها ترامب ووجد نفسه اليوم أمام كلفتها الاستراتيجية المتزايدة. وستظهر نتائج هذه المقاربة بعد انتهاء الحرب على ثلاثة مستويات: التوازنات الدولية، وحدود فعالية القوة العسكرية الأميركية، وقدرة واشنطن على إدارة التداعيات الاستراتيجية للصراع في الخليج.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث