لم تعلن الفيفا بعد شكل رسمي عن إيراداتها من كأس العالم 2026، لكن من المتوقع أن تصل الأرباح إلى 15 مليار دولار، متخطية التقديرات الأولية التي دارت حول رقم 11 مليار دولار. ضاعفت الفيفا بقيادة جياني إنفانتينو من مكاسبها في هذه البطولة مقارنة بسابقتها في قطر. وما ساهم في تلك الوثبة الكبيرة هو رفع عدد الدول المشاركة إلى 48 فريقاً بدلاً من نظام 36 فريقاً، الذي كان معمولاً به منذ نسخة فرنسا 1998، وكذلك الارتفاع القياسي في عدد المباريات التي قفزت من 64 مباراة إلى 104 مباراة. زيادة عدد الدول المشاركة إلى 64 فريقاً تبدو مسألة وقت لا أكثر. بالفعل، بدأ مسؤولو الفيفا في إطلاق التصريحات بخصوص الأمر. تفتح دورة هذا العام عصر المونديالات الكبرى. ولعل حصول إنفانتينو على دعم 200 دولة من أجل إعادة انتخابه في منصبه دليلاً على رضا عام عن هذه الاتجاه.
بالطبع ثمة فوائد لحصرية المونديال، أي اقتصار البطولة على عدد محدود من الفرق معظمها أوروبي وعدد صغير من الدول اللاتينية. منطق الندرة يجعل من الوصول إلى تصفيات المونديال حدثاً تاريخياً للكثير من الفرق البعيدة عن الجداول الذهبية، بحيث تصبح المشاركة في حد ذاتها حدثاً فريداً. لكن ثمة فوائد أيضاً لتوسيع قاعدة المنافسة. المزيد من الفرق يعني المزيد من الجماهير المتورطة بشكل مباشر، والمزيد من المشاهدات، والمزيد من عقود الرعاية ومبيعات تذاكر المباريات وبطاقات الطيرات وحجوزات الفنادق. تشير التقديرات إلى مساهمة البطولة الحالية بحوالى 80 مليار دولار في الاقتصاد العالمي.
علاوة على الأرباح الاقتصادية، ترفع زيادة عدد الفرق من مستوى الاحتمالية الإحصائية لحدوث المفاجآت، المعجزة الصغيرة التي حققتها فرقة الرأس الأخضر، والصعود غير المسبوق للفريق المصري، وتكرار المغرب لإنجازه من البطولة السابقة، جميعها أمثلة على ما يمكن أن يحققه فتح أبواب المونديال على مصراعيه للمزيد من الدول. بشكل غير متعمد، يعكس دخول الفرق الصغيرة إلى درجات المنافسة الأعلى ما يحدث في ساحة السياسة الدولية؛ أي التغيرات البطيئة في موازين القوى العالمية، التي باتت تسمح للقوى المتوسطة بلعب أدوار أكبر من الماضي. لكن تبقى النتائج النهائية كما هي بلا تغيير يذكر، احتل المربع الذهبي أربع قوى كروية كبرى تقليدية، ثلاثة منها فرق أوروبية والفريق الوحيد من خارج القارة هو الأرجنتين، الفائز باللقب ثلاث مرات من قبل. الحكمة الضمنية للعبة الحظ الكروية هي أن المعجزات تحدث، لكنها غير كافية لتغيير نظام العالم... للأسف.
منحُ الفيفا امتياز استضافة الدورة الأخيرة لدول أميركا الشمالية الثلاث، أضاف بشكل كبير الأرباح الاقتصادية الاستثنائية للبطولة. وبالرغم من الشعبية المتواضعة لكرة القدم في الولايات المتحدة وكند، ساهمت القدرة الشرائية لجمهور القارة الثرية في بيع كامل التذاكر وبأسعار مبالغ فيها، بلغت 33 ألف دولار في مباراة النهائي. لاحقت المتاعب بعض المشاركين سواء من فرق أو طواقم تحكيم بسبب إجراءات الهجرة في الولايات المتحدة (وبشكل أقل في كندا)، وكان ذلك تذكيراً واقعياً بحدود تماس السياسة مع الرياضة، يؤكد التراتبية التي تحكم الحركة عبر الحدود. فضيحة التدخل العلني للرئيس الأميركي لإلغاء بطاقة حمراء لأحد لاعبي بلده، شككت في نزاهة مسؤولي الفيفا، لكن في الوقت ذاته رسخت من الصورة المثالية للبساط الأخضر بوصفه يوتوبيا العدالة المطلقة، ذلكَ بعد هزيمة فريق الولايات المتحدة في المباراة اللاحقة وخروجه المبكر من البطولة.
في النهاية، كرة القدم ليست لعبة للمرايا تعكس نظام العالم السياسي كما هو.




