أتت ملفتة تداعياتُ ظهور "مؤثّر" سوري في مبنى "مجلس الشعب"، يوم انعقاد الأخير في جلسته الأولى. المذكور بثّ من المجلس رسالة لأعضائه، أهم ما فيها دعوته إلى عدم تحويل المجلس "من صوت شعب إلى صوت أحزاب"، محذّراً من أن يستغل البرلمان أولئك الذين لم تُتح لهم الفرصة العسكرية لكي "يحرروا"! فمن الطبيعي أن ينبري للرد على هذا الكلام أولئك الذين يتوقون إلى حياة سياسية عادية، أما أن ينبري للدفاع عن أقواله معظم الموالين فهي ظاهرة تفنّد في حدها الأدنى مزاعمهم عن انتصار الثورة، إذا كان المقصود بها الثورةَ التي نادت بالحرية والديموقراطية، أي بحياة سياسية وحزبية.
بذرائع مختلفة أتى التسويغ لأقوال "مؤثّر" كان يمكن تجاوزها واحتسابه ينطق عن الهوى، رغم أن الدخول إلى مبنى المجلس وتوجيه رسالة مصوَّرة من هناك امتيازٌ لا يُتاح لأيّ كان. أيضاً كان يمكن التسامح مع أقواله، التي تنقض فكرة البرلمان من أساسها، لولا أن تطوّع للدفاع عنها والتنظير لها أشخاص يحتسبون أنفسهم على نخبة الموالاة تعليماً وثقافة. هؤلاء بغالبيتهم اعتمدوا مبدأ التسويف، بمعنى أن إطلاق الحياة الحزبية واجب، لكن ليس الآن، ليس قبل تحقيق العديد من الشروط التي لا يوجد مقياس يجزم بتحقيقها، وبما يعيد إلى الأذهان الذرائع التي سيقت خلال عقود سابقة للقول بأن المشكلة هي في المجتمعات السورية غير الجاهزة بعد للحياة السياسية والحزبية.
جدير بالذكر أنه قد انقضى من المرحلة الانتقالية 16 شهراً، إذا أخذنا تاريخ الإعلان الدستوري بداية لها، أي أن المتبقّي منها مدة قصيرة بالقياس إلى المطلوب. ويُفترض نظرياً أنها مرحلة انتقالية بالمفهوم السياسي أولاً، وإذا اعتُبرت تجسيداً لانتصار الثورة على الأسد، فالتجسيد يكون بالانتقال من حكم الاستبداد إلى الديموقراطية بما تتضمنه من حياة حزبية، وبالانتقال من منطق الغلَبة والاستئثار بالسلطة إلى منطق المشاركة التي تضمنها صناديق الاقتراع كوسيلة لتداول السلطة.
مَن يتحدث اليوم عن ذلك الانتقال بين الموالين؟ الإجابة باتت شبه محسومة بـ: لا أحد. ليس اليوم فقط، بل منذ سنة أو أكثر، وثمة بين نخبة الموالين من عبّروا بصراحة عن امتعاضهم من استخدام مفردات مثل "المرحلة الانتقالية" أو "الرئيس الانتقالي"، وراحوا يسخرون من التأكيد على المرحلة الانتقالية بما ينطوي على رغبتهم في ألا يحدث ذلك الانتقال السياسي أبداً.
استئنافاً لتلك الرغبة بُذلت كل نشاطات الموالين في السوشيال ميديا وفي الإعلام للهجوم على معارضة غير موجودة بعد بالمعنى المُبتغى للحياة الحزبية، ليكون الهجوم استباقياً على فكرة المعارضة من حيث المبدأ، فالذين يهاجمون المعارضة يصنعون بأنفسهم الدريئة التي يستطيعون التصويب عليها بسهولة فائقة من أجل تسفيه المبدأ نفسه. إنهم لا يستغربون ذلك من أنفسهم، حيث لو كان لديهم الحد الأدنى من الحرص على نشوء حياة سياسية في البلد لتعاملوا مع أية معارضة بروح نقدية حقيقية لا بالتكشير عن الأنياب.
ولقد شهدنا مداورات لفظية، يؤكد أصحابها على أنهم يريدون أن يكون ثمة معارضة في البلد، لكن ليست هذه المعارضة "الرديئة"! وربما تمتاز سوريا، من بين بلدان العالم كله، بهذه المقولة الرائجة منذ عقود. فطوال عهد الأسدين كان شبيحتهما الإعلاميين يهاجمون المعارضة الضعيفة والمستضعفة، ويسخرون من أي فعل معارض مهما كان، للقول ضمناً إن السوريين ليسوا جديرين بأن يكونوا معارضين. ولتبرئة ذمتهم من وصمة التشبيح يقولون إنهم من حيث المبدأ مع وجود معارضة، بل إن لهم مآخذ على السلطة، لكن المطلوب ليس هذه المعارضة، وإنما المطلوب "معارضة وطنية"؛ متخيَّلة فحسب.
من الإضافات المستجدة اتهام معارضين بأن موقفهم من السلطة آت من خلفية أيديولوجية! أي أن الذين ينطلقون من قناعات تخالف الأيديولوجيا الإسلامية الحاكمة صاروا في موقع الاتهام، وكأن الاختلافات الفكرية محرَّمة، وليست من أعمدة ممارسة السياسة في بلدان العالم قاطبة. أصحاب الاتهام يروّجون لكون الإسلاموفوبيا هي محرّك المعارضة، وكأن المعارضة ليست من بديهيات الحياة السياسية في العالم كله، أي حيث لا يوجد إسلام حاكم ولا إسلاموفوبيا بموجب زعمهم. وإنها لمفارقة سورية غريبة أن يُحرَّم الاختلاف الأيديولوجي مع السلطة أياً كانت، ومع هذه السلطة الآتية من تأويل خاص للإسلام، وليست ممثّلة للإسلام حتى يُتهم خصومها بمعاداته.
صارت تهمة الإسلاموفوبيا ترهيباً للذين يحتجون على فرض أي نمط ثقافي أو اجتماعي على الحياة العامة؛ هكذا ووجه الاعتراض على العديد من القرارات التي تتدخل مثلاً بملابس النساء على الشواطئ، أو بملابسهن أثناء عملهن الوظيفي الحكومي أو بمكياجهن. والنموذج الذي صار معروفاً جداً أن يعمد الموالون أولاً إلى تكذيب هذه الأخبار، وعندما تثبت صحتها ينسون إنكارهم الذي يُفترض أنه يضمر بعضاً من الاستنكار أو عدم القبول، ثم يبدأ التهجم على المعترضين على القرار والقول إنهم ينسون قضايا المعيشة الأساسية وينتبهون إلى تفاصيل من هذا النوع الذي يتعلق بأجساد النساء، مع التجاهل التام لحقيقة أن مَن يلاحق أجساد النساء بدل القضايا الأهم هم أولئك الذين يصدرون القرارات لا الذين ينتقدونها.
لا توجد اليوم معارضة قوية تطرح إسقاط السلطة بالاحتكام إلى أية وسيلة معروفة، سواء كانت السبل الديموقراطية أو الاحتكام إلى الشارع مباشرة، أو الاحتكام إلى السلاح. مع ذلك لا يتوقف الموالون عن تخويف أمثالهم، أو مؤيدين آخرين للسلطة، من احتمال فقدانها. ويجري تصوير أية معارضة على أنها تهديد للسلطة، مع أن من حق أية معارضة أن تسعى إلى استلام السلطة بالسبل الديموقراطية، وليس من حق أحد منعها بأية طريقة كانت. جانب مهم من الخلاف الحالي هو تحديداً حول الانتقال الديموقراطي، وأعداء هذا الانتقال ليس لديهم مشروع سوى ما يشي برغبتهم الاحتفاظ بالسلطة كمغنم لهم. ولا يندر أن يواجهوا أية مطالبة للسلطة بالتشاركية بأقوال من نوع أن أية سلطة لا تمنح شيئاً لخصومها، وعليهم انتزاع ما يريدون إذا استطاعوا، مع علمهم بأن المنافسة التي يطرحونها غير متكافئة بين معارضة لا تملك شيئاً وسلطة تستحوذ على مفاتيح البلد بأكمله ويريدون منها المزيد. هناك من نخبة الموالاة النشيطة في الإعلام ووسائل التواصل مَن كتب "دولتنا باقية وتتمدد"، وكررها ونال استحساناً من جمهور نسي سريعاً أصل هذه العبارة!
الموالاة هي الموالاة؛ هذا توضّحه الموالاة الجديدة، وتكرر في العمق سلوكاً كنا جميعاً شهوداً على مآلاته. ليس الحديث هنا عن مؤيدين للسلطة، فالمؤيد يُسأل عمّا يؤيّد، وقد يسحب تأييده إذا انتفت مبرراته، أو إذا رأى بدائل أفضل. الموالي ليس كذلك، فالموالاة لا تشترط مقابلاً برامجياً لها، وأهلها معصوبو الأعين سلفاً. فوق ذلك كله ثمة نغمة رائجة بين الموالين، إمعاناً في التشفي بالمعارضة، مفادها أن السلطة محظوظة بهذه المعارضة الهزيلة! والحق أنه إذا كان هدف المعارضة تطوير الحياة السياسية في بلد خارج من عقود استبداد ثم حرب أهلية فالمعارضة واجبة بالتأكيد مهما كانت ضعيفة أو مستضعفة، أما إذا كان هدفها إسقاط السلطة فلا لزوم لها على الإطلاق مع وجود هكذا موالاة.




