انهارت مذكرة التفاهم بين الإيرانيين والأميركيين قبل مرور نصف مهلة الستين يوماً. أعلنت طهران بلغة متحفظة أن المذكرة تمر بأزمة، لكن من دون أن تذهب إلى حد إعلان نهايتها. أما الرئيس الأميركي المعروف بتصريحاته المنفلتة، فأعلن من جانبه عن نهاية وقف إطلاق النار، وإن أكد في الحديث نفسه على استمرار المفاوضات. يمشي الطرفان على الحبل المشدود نفسه، بين انفلات حرب شاملة أو العودة إلى طاولة المفاوضات. عملياً، تبدو الهدنة التي استمرت أربعة أسابيع وقد علقت. إيران أعلنت إغلاق مضيق هرمز والبحرية الأميركية تعيد فرض حصارها البحري على إيران، وعمليات القصف تتواصل بين الجانبين لتطول دول منطقة الخليج وصولاً إلى الداخل الأردني، علاوة على دخول الأراضي اليمنية في مجال المناوشات. يثبت الأميركيون أنهم قادرون على إيلام طهران، وبالمثل تؤكد إيران قدرتها على إثارة الفوضي في المنطقة بأكملها، هذا غير قطع الخطوط البحرية لسلاسل الإمداد العالمية. وكما كان متوقعاً يصعد النفط وتهبط البورصات مع عودة التصعيد.
منذ اليوم الأول، كانت الهدنة على المحك. الوصول لاتفاق على كافة البنود المعلقة بين الطرفين بدا مستحيلاً، طالما يدعي كلاهما الانتصار. تصبح التسوية ممكنة فقط حين يقر الطرفان أو على الأقل أحدهما بالواقع. إذا انتصر الأميركيون وانتصر الإيرانيون أيضاً، فمن الذي سيقدم التنازلات! يشير ترامب إلى أن اتفاق قد تم التوصل إليه بنسبة مئة بالمئة، لولا أن المفاوضين الإيرانيين تلقوا اتصالاً وغادروا القاعة بعده. بمثل تلك التصريحات يواصل الأميركيون لمزهم في أن هناك صدعاً في مركز اتخاذ القرار في طهران، وذلك بغية التشكيك في جدوى الحوار أو تبرير أي عدول أميركي عن الالتزام به مستقبلاً.
أرادت واشنطن أن تحصل بالمفاوضات على ما لم تحصل عليه بالحرب، أما طهران فبعد أن تلقت الضربة القصوى لم يعد هناك ما تخشاه. يدور الخلاف حول تفسير نص مذكرة التفاهم. فتح الإيرانيون المضيق بالفعل، لكن بشرط أن أن تكون الحركة فيه تحت سيطرتهم المباشرة. أما الأميركيون فيريدون أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل أن يشنوا الحرب؛ أي أن تكون الحركة حرة في الممرات الدولية، أو بمعنى آخر تظل بعيدة عن السيطرة الإيرانية. يتجاوز الأمر مجرد الخلاف على تفسير نص الاتفاق، يدرك قادة إيران اليوم أن تلك قد تكون معركتهم الأخيرة، ولا بديل لديهم سوى الاحتفاظ بمضيق هرمز، بوصفه صك ضمانهم الذاتي والوحيد، فمن يستطيع أن يكون ضامناً لتعهدات الأميركيين! حتى لو أراد الإيرانيون الوثوق بهم، لن يستطيعوا.
هذه عودة للحرب، لكنها ليست كالحرب الأولى التي كانت قائمة أهدافها الطموحة تشمل تغيير النظام الإيراني، وتصفية الصف الأول من قياداته والقضاء على القدرات النووية لطهران وقطع أذرعها في الإقليم. نجح الإيرانيون في تحويل دفة المرحلة التالية من الحرب ليصبح موضوعها الأساسي هو المضيق. في فترة الهدنة القصيرة، حققت إيران الكثير من التقدم، حيث تكشف التقارير الإعلامية الغربية عن أن عُمان تعمل بالفعل على مسودة قانونية لتأسيس نظام للدفع التطوعي مقابل خدمات الملاحة في هرمز يقتسم حصيلته البلدان. أما الأوروبيون، فيبحثون القبول بالأمر طالما كان دفعاً تطوعياً وليس رسوماً إلزامية. تكشف المباحثات الأوروبية انفصالاً عن المسار الأميركي، ورضوخاً للواقع الجديد الذي فرضته إيران، وذلك مع محاولة لحفظ ماء الوجه، توفّق شكلياً بين توازنات القوى على الأرض ومبدأ حرية الملاحة المشروط عليه في القوانين الدولية. في المقابل، يعود ترامب للتلويح بفرض رسوم على المرور في المضيق.
ما يهم طهران وما يهم الأميركيين أيضاً، ليس الرسوم في حد ذاتها، بل ما يتضمنه تحصيلها من اعتراف بالإمساك بمفاتيح الملاحة العالمية. بالنسبة لواشنطن يتعلق الأمر بالمصالح وبالهيبة، بالنسبة لطهران هي مسألة حياة أو موت.




