سنة على مجازر السويداء.. هل من أمل؟

عمر قدورالثلاثاء 2026/07/14
السويداء (Getty)
النظام السياسي المناسب هو ذلك الذي ينظم التعايش (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

مضت سنة على ارتكاب مجازر السويداء، ولا جديد بالمعنى المعتبر للكلمة. وكما هو معلوم، حدثت المجازر بدءاً من يوم 13 تموز 2025، بعد اقتحام السويداء من قبل قوات حكومية وفزعات عشائرية، حيث أثنى مسؤول كبير على تلك الفزعات، ثم برز اتجاه لتحميلها القسط الأكبر من المسؤولية عن أعمال القتل والتنكيل. مسؤول كبير آخر قال إن ما حدث كان فخّاً استُدرجت إليه تلك القوات التي انسحبت تحت ضغط إسرائيلي، إلا أن كلامه عن "الفخّ" بقي في إطار تبرير الهزيمة العسكرية، فلم يظهر ما يشي بالندم والاعتذار عن الأذى الأكبر الذي تسببت به المجازر.

 

لن نسترجع هنا التفاصيل الأليمة لتلك الأيام، بل سنتوقف أكثر عند الآثار الفورية-المستمرة لتلك الأحداث، وفي رأسها ما يمكن وصفه بـِ "الانكفاء الدرزي" عن سوريا وطناً ومفهوماً. الانكفاء كان قد برز منذ الأيام الأولى للمجازر وما أعقبها، ثم تعزز مع الوقت وصار كأنه من البديهيات التي يُحرّم المسّ بها، سواءً من قبل بعض الأفراد الدروز، أو من قبل أشخاص غير دروز لا يريدون التسليم بالقطيعة واعتبارها نهائية.

وراء القطيعة ثمة عتب أو يأس، أو مزيج من الاثنين. العتب هو تحديداً على الأكثرية السُنية، حيث يرى أصحابه أن هذه الأكثرية أيّدت ارتكاب المجازر، أو صمتت ذلك الصمت الذي يشير إلى الرضا. أما اليأس فهو من الأكثرية ذاتها، إذ يُنظر إلى تأييدها ارتكاب المجازر أو صمتها عنها بوصفهما نهجاً نهائياً، أو نهجاً تسبب بأذىً مستدام يستحيل علاجه. الأقل تشدداً على هذا الصعيد هم الذين يرون أن الأكثرية مأخوذة حالياً بنشوة النصر على الأسد، ومن المتوقع مع الوقت أن تظهر التناقضات ضمنها ليتفكك "البلوك" السني الراهن.

 

الواقع يسند القطيعة بما أنها قائمة بين السويداء ودمشق منذ سنة، والفكرة السائدة هي أن القطيعة محمية بالخطوط الحمراء الإسرائيلية، وبرعاية أميركية لتلك الخطوط التي تشمل الجنوب السوري ككل بأشكال مختلفة. أيضاً لن نخوض في السجالات حول العامل الإسرائيلي، ففي الخلاصة هناك كثر ممن يعتقدون أن التدخل الإسرائيلي أنقذ السويداء من استمرار المجازر حينها، والخطوط الحمراء الإسرائيلية هي ما يمنع اقتحامها مجدداً وتكرار السيناريو السابق.

أيضاً، في الواقع السوري نفسه، لم يظهر خلال سنة تيار من بيئة السلطة يعيد النظر في النهج الذي أدى إلى ارتكاب مجزرتين طائفيتين على التوالي، لكي يحرّض الآخرين على إعادة النظر بقناعاتهم التي ترسّخت كيقين. وقد تكون الإشارة ضرورية إلى أن مزاج بيئة السلطة يركن إلى ما تُرى بوصفها إنجازات خارجية تُغني عن مراجعات تخصّ الداخل، والقليل مما يُقال أحياناً عن تحصين الداخل يبقى في إطار الكماليات أو المجاملات، أما الفكرة المضمرة فمفادها أن الطريق إلى توحيد سوريا يمرّ عبر الخارج لا الداخل، والمقصود تماماً توحيد ما يُسمّى بالتراب السوري، لا اتحاد السوريين الموجودين عليه.

 

لا نريد التقليل من شأن الخارج في بلدان كان فيها الداخل ضعيفاً ومستضعفاً على الدوام، لكن مع ملاحظة أن الارتهان لمشيئة الخارج هو بمثابة الدوران في الحلقة ذاتها. ما لم يكن هناك سعي لكسر هذه الحلقة فسيكون الأمر إعلاناً للاستقالة من السياسة، ومن التفكير في التغيير. ثم إن النظر إلى التغيير على أنه ممتنع، إلا بقرار خارجي، يجرّد الجماعات السورية من أهليتها، ولا يعود من مبرر لتحميل أياً منها المسؤولية على النحو الحاصل. ذلك مع تحفّظنا على استخدام موضوع الجماعات بما يفتقر إلى الواقعية، فالسُنة مثلاً كانوا منقسمين حول الثورة على الأسد، وظلوا منقسمين حتى سقوطه، وبروز الذين يريدون أن يكونوا طائفة سلطة يبقى في إطار السلطة وظرفيتها.

في كل الأحوال، سوريا اليوم ليست تلك الموروثة من أواخر الثلاثينيات؛ أي عندما استقرت حدودها من دون لواء اسكندرون. فسلطة المركز هشة في مناطق الجزيرة التي كانت تحت سيطرة قسد، وغائبة عن السويداء، ومنقوصة في الجنوب السوري حيث تتحرك القوات الإسرائيلية حيثما تشاء. مع ذلك تبقى الجغرافيا السياسية في حال أقل انقساماً من السوريين أنفسهم، فالاشتغال على تعزيز الانقسام بين الجماعات المذهبية السوري يستنزف ما تبقى من رصيد مفهومي للوطن السوري. الاشتغال الطائفي ذاته يقضي على آخر ما تبقى من ذاكرة للثورة السورية، بوصفها ثورة حرية وديموقراطية ومواطَنة.

 

انكفاء الجماعات السورية عن الجماعة الحاكمة باسم الأكثرية، سواء بقطيعة جغرافية أو من دونها، سيختزل سوريا إلى كيان سني على النحو الذي تخيّله وروّج له بعض الذين في السلطة. وانتظار معارضةٍ لهذا الوضع من داخل الأكثرية المذهبية حصراً له أثران سلبيان، أولهما عدم تشجيع بروز المعارضة المتخيَّلة بسبب ثقل المهمة المنتظرة. وثانيهما ترك مهمة إعادة صياغة الوطن السوري لمجموعة، وإن تكن الأكثرية المذهبية، وهذا ما ينتقص سلفاً من فكرة التوافق عليه.

المنطق البسيط، الذي لم يفقد صلاحيته، يفيد بأن التفكير في الوطن السوري حق للجميع، ولا مغالاة في اعتباره واجباً، لأن الاستنكاف الجماعي عن ممارسة هذا الحق هي خسارة للجميع. نذكّر بأن الثورة انطلقت كحصيلة للتفكير في الوطن السوري، وفي النظام السياسي المناسب له، بعد انسداد الأفق أمام نظام الاستبداد الأسدي. أي أن العودة إلى الوراء، فيما يخص النظام السياسي، يجب أن تكون مرفوضة، فوق كونها مُكْلفة وفيها استهانة بالثمن الباهظ الذي دُفع من أجل تغيير حقيقي.

 

نفترض أن النظام السياسي المناسب هو ذلك الذي ينظّم التعايش بين الموجودين على الجغرافيا السياسية المشتركة، بحيث يحفظ الحقوق الأساسية للمواطنين الأفراد، وتالياً حقوق الجماعات. الكلام عن هوية وطنية، ووضع غيابها كمبرر لنفي فكرة الوطن فيه تحريف للأولويات، ففكرة الانصهار الوطني انتهت عالمياً، والأوطان الحديثة تقوم على القوانين التي تمكّن الأفراد من ممارسة السياسة كتعبير سلمي عن مصالحهم. أما الاجتماع الوطني فيحدث بلا تنظير، متى أتيحت له المؤسسات الجامعة مثل التعليم والوظائف والجيش... إلخ.

ما ذكرناه بداية عن الانكفاء الدرزي يساهم في إفقار الجهد المطلوب لجعل الحياة المشتركة ممكنة، حيث لا مهرب من الجغرافيا الآن أو بعد حين. المشكلة هي أن هذا الكلام يسوَّق في الكثير من الأحيان وهو يضمر مطالبة الدروز بالانصياع للمركز كما هو، والنظر والتنظير لهذا على أنه من البديهيات، وعلى أن المجازر التي حدثت يجب ألا تزحزح في الأخيرة. أما التمييز الذي أردناه فيما سبق فهو بين المركز الذي تشغله السلطة الحالية وسوريا بوصفها أكبر من المركز ومن السلطة معاً، وهذا كلام غير عاطفي، فقد جرّب السوريون في العديد من مناطقهم فكرة الانسلاخ عن المركز من دون الانسلاخ عن سوريا.

لا ينتمي فقط إلى ما قبل قرن مضى القولُ إنه لا سوريا بلا مشاركة درزية، فهذا هو الحال الآن أيضاً. الدروز، مثل غيرهم من السوريين، غير مدعوين إلى سوريا؛ إنهم مدعوون إلى التفكير في الوطن السوري، وإلى جعل سوريا ممكنة كخيار قد يكون أقلّ كلفة من غيره على الجميع.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث