أول أمس الخميس نقل تلفزيون سوريا عن مصدر أمني، أن وزارة الداخلية السورية تتابع قضية ولاء المحمود، على خلفية الجدل الذي أثارته على وسائل التواصل الاجتماعي، بعد ظهورها في تسجيل تتهم فيه مسؤولاً أمنياً في "جبلة" باختطافها واغتصابها، مع اتهام الجهاز الأمني بالتواطؤ من المسؤول نفسه، من خلال توقيفها وتسهيل اغتصابها. بعد ذلك الخبر سرعان ما تم تسريب محضر لدى الأمن العام، تعترف فيه صاحبة التسجيل بإدارة صفحات تحرّض على الجهاز الأمني المذكور، وصورة عن شكوى من جارة لها تتهمها بالتشهير والإساءة.
بعد ساعات من نشر أقوال ولاء على صفحة "اتحاد العلويين السوريين في أوروبا"، نشرت صفحات محلية خاصة بمدينة "السلمية" خبر اختفاء الشابة غزل الحاج صباحاً، وهي ذاهبة إلى السوق، حيث فُقد الاتصال معها. الصفحات طالبت من لديه معلومات عن الشابة أن يبادر إلى الاتصال بأهلها أو بقسم شرطة المدينة أو بـِ "المجلس الأعلى الإسماعيلي". على العموم لم ينل خبر اختفاء هذه الشابة الضجة التي أحدثها تسجيل ولاء قبل ساعات، ولا الضجة التي رافقت الإعلان عن حوادث مماثلة لشابات علويات في الساحل أو في حمص.
لسنا في موقع إصدار الأحكام القانونية، فهذه يُفترض أنها مهمة جهات حقوقية محايدة تحظى بثقة عامة. ما نتطرق إليه هنا هو التأثير الكارثي لقضية لم تنل حقها من الاهتمام، إذ لا يغيب عن أي متابع أن قضية حساسة مثل هذه تترك آثاراً مدمّرة متى لم تعد حوادث الخطف جنائية؛ أي عندما تقترن بهوية اجتماعية ويُنظر إليها كنوع من الاستباحة لمجموعة بعينها. وعندما نتحدث عن تدنّي الاهتمام بحوادث الخطف فنحن نستند إلى تقرير منظمة العفو الدولية الصادر بتاريخ 28 يوليو/ تموز 2025، وجاء فيه: "فمنذ فبراير/ شباط 2025، تلقت المنظمة تقارير موثوقة تفيد باختطاف ما لا يقل عن 36 امرأة وفتاة علويات، تتراوح أعمارهن بين ثلاث سنوات و40 سنة، على أيدي مجهولين في مختلف أنحاء محافظات اللاذقية، وطرطوس، وحمص، وحماة. ومن بين هذه الحالات، وثقت منظمة العفو الدولية ثماني حالات اختطاف وقعت في وضح النهار لخمس نساء وثلاث فتيات دون 18 سنة من الطائفة العلوية؛ وفي جميع الحالات الموثقة عدا واحدة، تقاعس عناصر الشرطة والأمن عن إجراء تحقيق فعال لمعرفة مصير المختطفات وأماكن احتجازهن".
في موضوع اختطاف العلويات نفسه هناك تقارير عديدة نُشرت منذ حوالى سنة حتى الآن، منها تقرير لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا، فضلاً عن تقارير في صحف كبرى عالمية. ذلك كله قوبل من بيئة السلطة بأشكال متعددة من إهانة الضحايا المحتملين، إذا حسبناهن كذلك وتغاضينا عن كافة القرائن التي تؤكد على أنهن ضحايا حقاً. هناك، في البيئة المذكورة ذاتها، إنكار على نطاق واسع لموضوع الخطف، أي أن الإنكار لا يستهدف جانبه الطائفي، بل هو إنكار للوقائع ككل، مع ما يعنيه هذا الإنكار من اعتداء على حقوق الضحايا.
بعد الإنكار تأتي السخرية من الضحايا، ومما بتن يمثّلن اجتماعياً. فالصفحات التي تناصر قضيتهن تتعرض بكثافة لتعليقات ساخرة، وبعضها مليء بالبذاءات التي تتهم الفتيات بشرفهن. الأمر لا يقتصر بالطبع على قطعان تتفاعل مع الأخبار المأساوية بوسم ضاحك، ولا على أسماء وهمية يمكن ردّها جميعاً إلى ذباب إلكتروني، فهناك أسماء معروفة جيداً، والبعض منها يُعدّ من "مؤثّري السلطة".
بالمقارنة بين خبر فقدان غزل وأخبار فقدان علويات، في أماكن تقطنها غالبية علوية، يُلاحظ أن صفحات "السلمية" وريفها التي نشرت خبر فقدان غزل لم تتعرض لغزو من التعليقات المسفّة والمشينة على النحو الذي حدث لمختطفات علويات، وإذا أمكن لإدارة الصفحات أن تحذف التعليقات المسفّة فإن غياب التفاعلات الضاحكة الشامتة (التي لا يمكن تقنياً حذفها) يؤكّد على ما ذهبنا إليه، وعلى دلالته الطائفية المكشوفة. الذين أنكروا اختطاف علويات صمتوا عن اختطاف ابنة السلمية، والصمت هذه المرة متصل بالإنكار السابق لأنهم لا يريدون مطلقاً الإضاءة على ملف الاختطاف، حيث يدركون في سرائرهم أن فتحه بنزاهة وحيادية لن يسرّهم.
ليست المسألة حفنة من تفاعلات الشماتة الطائفية على وسائل التواصل الاجتماعي، فالآثار الواقعية موجودة، ومن المتوقع أن تخلّف آثاراً مديدة عميقة، وإن بقيت بمعظمها بعيدة عن الإعلام والسوشيال ميديا. على سبيل المثال هناك الكثير من العائلات التي تتكبد نفقات إضافية من أجل إرسال بناتهن إلى الجامعات، حيث صار مألوفاً أن يتفق عدد من أهالي الطالبات مع سيارة تنقلهن من باب البيت إلى باب الجامعة، وهذا ما يكلّف الأهالي أجوراً للمواصلات أعلى من النقل الجماعي الذي كان معتاداً. هناك فتيات نجحن وقررن إعادة تقديم امتحانات البكالوريا، لأنهن وأهاليهن قرروا تأجيل استحقاق الجامعة، ومخاوف الاختطاف على الطرقات لسنة أخرى.
ألوف العائلات العلوية، أو تلك التي تسكن في مناطق مختلطة وبناتها غير محجّبات، تعيش هاجساً يومياً من الخوف كلما غادرت فتاةٌ المنزلَ لأمر ما، وقد صار معروفاً لمن يريد رؤية الواقع أن هناك نساء علويات يتحجبن خوفاً من الاختطاف. ولنا أن نتخيّل الآثار النفسية على مجتمع بأكمله، وعلى الفتيات اللواتي يعشن خوف الأهالي وخوفهن الشخصي طوال الوقت، ولنا أن نتكهن حول نظرة هؤلاء جميعاً إلى ما يُفترض أنه بلدهم. لا يعالج هذه المخاوف أن ينبري أحد بالقول إن فيها ما فيها من المبالغة، وإن أعلى رقم لحالات الاختطاف لا يبررها، فالأمهات والآباء لا يفكرون بهذا العقل البارد، وعندما تُنكر جرائم الاختطاف فما يُفهم ضمناً هو أنها ستبقى بلا ملاحقة، وأن المجرمين سيبقون فالتين ليرتكبوا المزيد منها.
هذه جرائم يجب ألا تخضع لتجاذب من أي نوع، وبالتأكيد ليس من النوع المسفّ الذي نشهده منذ بدأ الحديث في هذه الظاهرة. هذا ليس موضوعاً سياسياً يُختلف عليه، ولا حتى موضوعاً أخلاقياً بالمعنى الكلاسيكي المحدود. هي قضية تذهب أبعد لتنال من وجود مجموعة سورية، ومن المؤكد أن هذا يسرّ الكثير من الطائفيين، إلا أن ترجمة هذه الجرائم ضد النوع الاجتماعي وفق القانون الدولي لن تسرّهم بالتأكيد. وقد يكون مفيداً التنويه بأن ما يتسرّب عادة إلى الإعلام والسوشيال ميديا ليس إلا جزءاً من المعلومات، وفي معظم الأحيان يُؤجَّل نشر المعلومات الحساسة تحيّناً لفرصة أنسب.
إنكار الجرائم في الواقع وفي الإعلام والسوشيال ميديا سيشجّع على المزيد منها، وسيكبر هذا الملف في عهدة المنظمات الحقوقية الدولية، وفي دوائر صنع القرار الدولي بحيث يمكن استخدامه عند اللزوم، ليس بالضرورة خدمة لقضية المختطفات. على صعيد موازٍ، من السهل نسبياً الاعتراف بالمشكلة عندما يكون حجمها صغيراً، بخلاف ما سيكون عليه الحال بإنكارها حتى تتفاقم ويصعب الاعتراف بها. الحكمة والعقلانية تقضيان بعدم المضي في هذا الاتجاه، إذا جرّدنا مأساة هؤلاء النساء من كافة الجوانب الإنسانية والأخلاقية المستَحقة.




