أغنية الرأس الأخضر وصيحة النرويج وبطولية مصر

يوسف بزيالخميس 2026/07/09
جمهور الرأس الأخضر مونديال 2026 (Getty)
مشاركة الرأس الأخضر لن تُنسى من تاريخ المونديال (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تقيأت السيناتورة الباراغوايانية سيليست أماريلا كلاماً عنصرياً ضد اللاعب الفرنسي كيليان مبابي، عقب خسارة منتخب بلادها أمام فرنسا، وتحديداً بسبب براعة مبابي وتسجيله هدف الفوز. 

وعلى منوال إفساد هذه السياسية لأجواء المونديال، جاء التدخل السياسي الآخر من قبل الرئيس الأميركي لإعفاء مهاجم المنتخب الأميركي فولارين بالوغون من عقوبة الطرد، ليضع الفيفا مرة أخرى في دائرة الشكوك بوصفها خاضعة للمحاباة وللتأثير السياسي ومفاسده.

 

غالباً ما تفسد السياسة كرة القدم. ومن أسوأ اللطخات السياسية في تاريخ كرة القدم، ذاك المونديال "المشبوه" الذي نُظم في الأرجنتين سنة 1978، حين كانت الطغمة العسكرية الدموية تحكم البلاد. فرغم الاعتراضات الدولية على تلميع صورة السلطة الديكتاتورية، أصرت الفيفا على إقامتها هناك. ولا تزال قصة الأهداف الستة التي سجلها الأرجنتينيون في مرمى البيرو، تغلف الكأس الأولى التي حملها المنتخب الأرجنتيني بالكثير من الريبة والشكوك.

قبل ذلك، كان مونديال إيطاليا سنة 1934، تحت الحكم الفاشي بينيتو موسوليني، ورغم جدارة المنتخب الإيطالي بالفوز، إلا أن الضغوط التي مارسها الفاشيون على اللجنة المنظمة والحكّام والتي ترقى إلى مستوى التهديد، ظهرت نتائجها في التحكيم أثناء المباريات، ما سهّل على المنتخب الإيطالي حمل الكأس. والجدير بالذكر أيضاً، قصة الحكم الإكوادوري بايرون مورينو في مباراة كوريا الجنوبية مع إيطاليا عام 2002، التي تُعد فضيحة في محاباة البلد المضيف، توجتها بعد سنوات واقعة اعتقاله بتهمة تهريب المخدرات.

مع ذلك، تبقى كرة القدم أرقى بما لا يقاس من السياسة. ففي ملاعبها يخرج ويظهر أفضل ما في البشر: نبذ العنف ومنع الألم، الاحتكام إلى القانون، المساواة في الفرص، وحدة الإنسانية، الاحتفاء بالحياة وبالجسد.

 

على هذا المسرح الأخضر، تُمثَّل باستمرار الأعمال البطولية النبيلة، حين يتجاوز الجسد البشري حدوده، ويتناغم الذهن مع العضلات، ويثمر التعاون الجماعي الخلّاق لحظات خاطفة للأنفاس، حيث الإرادة والفيزيولوجيا معاً في معجزات صغيرة ومجيدة. وحيث البراعة والموهبة والتدبير العقلاني، الفردي والجماعي، لتحدي المستحيل. 

على هذا المسرح، يمتزج الحزن والفرح بلا أذى، بلا موت ولا مهانة ولا إساءة. هي تراجيديا بلا دم، حرب بلا ضحايا. ولذا، ستبقى أرقى من أي سياسة. الصراع الوحيد الذي يمتعنا ويبهجنا التفرج عليه.

في هذا المونديال، وعلى منوال سوابقه طوال قرن تقريباً، ثمة مباريات أو منتخبات بعينها تمنح كرة القدم بعداً تاريخياً وأسطورياً، وتأثيراً ملهماً يمتد إلى العالم كله، وتؤلف ذاكرة بشرية مشتركة مشحونة بالعواطف، تتجاوز وقائع وحقائق سياسية أو اقتصادية أو ثقافية، على نحو يصعب تفسيره. وهي على الأغلب لا تتعلق بالفوز أو الهزيمة بل بـ"الحضور" وبكيفية التمثيل والتعبير والأداء. لحظة تنفجر فيها العبقرية، أو لحظة تتحقق فيها معجزة.

 

هذا بالضبط ما فعله منتخب "الرأس الأخضر". لاعبون آتون بأغلبهم من أندية الدرجة الثانية، فقراء على الأرجح، من بلد صغير هو أرخبيل جزر بالكاد تلحظه الخرائط. لم يتأهل في تاريخه إلى الكأس العالم، وبالكاد يُلحظ في بطولة إفريقيا، خالٍ من النجوم.

باغتوا "الثور" الإسباني وتعادلوا معه في المباراة الأولى. روّضوا أبرز المرشحين للبطولة. مفاجأة مدوية، أتبعوها بتعادل أشد إثارة مع منتخب الأوروغواي (2-2). ثم تعادلوا أيضاً مع السعودية. وبعدها، احتاجت الأرجنتين إلى الوقت الإضافي كي تتجاوزهم بنتيجة 3-2، في واحدة من أجمل مباريات البطولة، وربما أشدها عاطفية ودراماتيكية. فازت أرجنتين ليو ميسي بالنتيجة بشق الأنفس، لكن الانتصار الفعلي كان للرأس الأخضر في قلوب العالم وعيونه، بل وبمعايير الأداء. فهذا المنتخب المغمور تحدى ثلاثة فائزين بكأس العالم، وصنع فرجة كروية طافحة بالشجاعة والروح الجماعية والثقة بالنفس، عدا عن التألق بالفن الكروي، خصوصاً حارس المرمى فوزينيا بتصدياته الخرافية التي "جننت" المهاجمين الخصوم. 

في أيام قليلة، تحول فوزينيا إلى "بطل" وفريقه إلى سحرة. مئات الملايين من سكان الأرض، راحوا يتعرفون للمرة الأولى على بلد اسمه "الرأس الأخضر". محطات التلفزيون ومواقع مثل يوتيوب، راحت تبث برامج تعريفية وتوثيقية عن هذا البلد وثقافته بعد مأثرة منتخبه. وبالتأكيد، سيتحول الآن إلى وجهة سياحية كبيرة. الكلمات التي قالها مدرب الفريق ولاعبوه، كانت طافحة بالتواضع والرغبة بالاعتراف وتوكيد الذات، والامتنان لكرة القدم التي أتاحت لهم تشريف بلادهم على هذا النحو الاحتفالي. صارت مشاركة الرأس الأخضر أشبه بأغنية حماسية لا تنسى في ذاكرة محبي كرة القدم.

 

يمكن القول أن عدوى "الرأس الأخضر" أصابت معظم الفرق الصغيرة، التي فجأة غيّرت مسار هذه البطولة ونسفت التوقعات المسبقة، وغمرتها بالتشويق والغموض. باتت تلك المنتخبات التي تصنَّف ضعيفة أو متوسطة الجودة، تنزل إلى الملعب بلا خوف ولا خشية في مواجهة الجبابرة. هكذا، ما عاد هناك "مباراة محسومة سلفاً". 

وإذا كانت إنجازات المنتخب المغربي موحية ومحفزة للمنتخبات المماثلة، فإن الرأس الأخضر كان الشرارة التي أشعلت الحماسة في سائر الفرق. هذا بالضبط ما رأيناه في مباراة مصر البطولية أمام الأرجنتين، حامل اللقب. 80 دقيقة ومصر متفوقة بهدفين وبالأداء، قبل أن ينهار لاعبوها بدنياً، مستنفدين كل مخزون لياقتهم وطاقتهم. تلك علة الفرق الإفريقية التي خسرت جميع مبارياتها فقط في الدقائق الأخيرة.

خرجت مصر من البطولة وقد أنجزت للمرة الأولى صعودها إلى الدور 16، وأبكت ميسي، أفضل لاعب في التاريخ، الذي لم يصدق أن فريقه لم يُهزم. والأهم أننا شاهدنا "ملحمة" كروية من الطراز الرفيع تليق بنهائيات كأس العالم. وبمعنى آخر، وبعيداً عن سجال السياسة أو الاقتصاد، منح المنتخب لبلاده حلماً ومشاعر نادراً ما تنجزه إلا كرة القدم.

 

دوماً كانت المدرجات وجمهورها امتداداً أصيلاً لغواية المشهدية الكروية. ويكاد التشجيع أن يكون شرطاً للفوز أو لرفع مستوى اللعب. إنها مصدر الطاقة الكبير للاعبين حتى عندما تتشنج عضلاتهم وينفد الأوكسجين من رئاتهم. وهي أيضاً مسرح ثقافة هذا الجمهور وهويته ولغته وفنون تعابيره. وعندما "يلتحم" الجمهور وفريقه، ويصلان إلى ذروة الإيقاع، تتألف سمفونية بصرية وصوتية. 

أبرز تلك السمفونيات التي أبهرتنا، شهدناها في بطولة أوروبا عام 2016، مع فريق آيسلندا وجمهوره الذي ابتدع "تصفيقة الفايكينغ (Viking Clap)" الاسكندنافية.. إلى حين مجيء الفريق الاسكندنافي الآخر، النرويج، إلى هذا المونديال بقيادة اللاعب الظاهرة إيرلينغ هالاند، وجمهوره الذي حمل معه "تجديف الفايكينغ". 

اكتسح النرويجيون بروحهم المحاربة هذه منتخب البرازيل. وربما كان سهلاً استشراف خسارة البرازيل من روح جمهورها، الذي منذ سنوات بعيدة كفّ عن تحويل المدرجات إلى كرنفالات مبهجة وراقصة، وبات حضوره جاهزاً للحزن والأسى مسبقاً. الروح الإنهزامية أصبحت ملازمة للجمهور والمنتخب البرازيليين.

على أي حال، إنه واحد من أكثر المونديالات إنصافاً للطامحين الجدد.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث