المرة بعد الأخرى يفتتح الرئيس السيسي عاصمته الجديدة، التي لا تحمل اسماً حتى الآن. ذلكَ الإنجاز الممتد زمنياً بطول فتراته الرئاسية المتوالية، يمكن افتتاحه في كل مرة كأنها المرة الأولى أو ربما المرة الأخيرة، من افتتاح أكبر مسجد وأكبر كاتدرائية قبل سنوات، إلى افتتاح أكبر مركز للقيادة الاستراتيجية في العالم قبل عدة أيام. هذه المرة يرتدي الرئيس بزته العسكرية المزركشة بإفراط من أجل المناسبة.
المبنى الأكبر من نوعه في العالم، يشار إليه في وسائل الإعلام باسم "الأوكتاغون"، الكلمة ذات الأصل اليوناني، بمعنى الشكل الثماني الأضلاع. نتلمس من تلك التسمية علاقة مقصودة مع البنتاغون الأميركي (الخماسي الأضلاع) أو مقارنة معه، بالأخذ في الاعتبار أن الأوكتاغون المصري أكبر من نظيره الأميركي من حيث عدد الأضلاع ومن حيث المساحة. اللافت هو أن يشار إلى مجمع القيادة العسكرية في البلاد باسم أجنبي، حتى لو كانت تلك التسمية غير رسمية.
ولدت العاصمة الجديدة لتكون "ضد القاهرة". يسأل الرئيس في كلمته أثناء افتتاح المجمع الدفاعي ويجيب على سؤاله: "ليه القيادة الاستراتيجية للدولة موجودة هنا، لأن كان في يوم من الأيام بيتم محاصرة المحكمة الدستورية، وفي يوم من الأيام كان بيتم محاصرة مجلس الوزراء، وفي يوم من الأيام بيهددوا وزارة الدفاع، وفي يوم من الأيام كانوا بيحاصروا مدينة الإنتاج الإعلامي". هكذا يتحدد مكان القيادة العسكرية والمدنية بعيداً عن العمران، وبمعزل عن الكتلة السكانية الأكبر في البلاد، وبعيداً عن القاهرة العضوية حيث يعيش المواطنون جنباً إلى جنب مع مؤسسات الحكم بشكل يومي. وذلك حتى لا تتكرر يناير، أو كما يصفها الرئيس في الكلمة نفسها: "شوية الأحداث بتاعة 2011 ووصولًا إلى 30 يونيو".
العاصمة الجديدة هي "ضد القاهرة" بالمعنى المباشر والحرفي، أمنياً وعسكرياً، كما أنها ضدها بالمعنى المجازي. عمداً لا تشبه العاصمة الجديدة العاصمة القديمة. من أعلى تبدو العاصمة الجديدة بهندستها المعمارية الاستعراضية مثل مستعمرة بشرية على سطح كوكب مهجور من أحد أفلام الخيال العلمي الهوليودية. اللون الأصفر الكالح للصحراء المحيطة بها يمنحها غلالة ديستوبية غير مقصودة.
في عصر ما بعد الربيع العربي، حيث يتملك الأنظمة الحاكمة في المنطقة ومعمارييها شغف عصابي بالأشكال الهندسية المجردة، على شاكلة "المدينة الخط" وناطحة السحاب "المكعب"، يقارن إعلامي النظام المصري بفخر ناطحات عاصمتهم الجديدة بمدينة دبي.
ثمة عادة قديمة في الأطراف تميل إلى المقارنة مع المركز والتشبه به، كما كان الطموح الإمبراطوري للخديوي إسماعيل أن تكون القاهرة هي "باريس على النيل"، فتبدو العاصمة الجديدة محاولة جديدة للتشبه بالمراكز الجديدة الأقرب أو المركز الإمبراطوري البعيد. العاصمة الجديدة هي "دبي على النيل" وأوكتاغونها هو "بنتاغون الصحراء"، هي مدينة للاستعارات التي تشبه أمكنة أخرى، لكن لا تشبه محيطها.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، اجتاح الولايات المتحدة "هوس الأوكتاغون"، وكانت الشرارة هي نشر أورسن فولر كتابه "البيت المثمن: بيت للجميع، أو أسلوب بناء رخيص ومريح" في العام 1848. لم يكن فولر مهندساً معمارياً، بل متخصصاً في الفراسة يؤمن بأن شكل الجمجمة يحدد صفات الإنسان النفسية، وعلى المنوال نفسه نقل ذلك المنطق إلى هندسة المباني، حيث يحدد الشكل المضمون. روج فولر أن الشكل الثماني يتمتع بكفاءة هندسية فريدة من حيث الكلفة والمساحة، والأهم أن خصائصه تسمح بتدفق الهواء النقي والضوء بشكل يمنع ركود الهواء الذي كان يعتقد حينها أنه واحد من أسباب الأمراض الوبائية. لم تستند تلك النظرية إلى أي أسس مثبتة، لكنها لاقت نجاحاً في ظل مرحلة الانتقال نحو التصنيع التي ارتبطت بمستويات عالية من التلوث داخل المدن الأميركية واكتظاظها بالطبقات العمالية، التي نظر لها بتوجس كمصدر للأمراض والشرور الاجتماعية الأخرى.
لا صلة مباشرة بين أوكتاغون العاصمة الجديدة والهوس الأميركي القديم بالمباني الثمانية، لكن مصير ألوف من البيوت ثمانية الأضلاع التي هجرت في أنحاء الولايات المتحدة نتيجة افتقادها للعملية وكلفتها العالية، قد تكون نذير شؤم لعاصمة جديدة شيدت هي الأخرى، توجساً من الديموغرافيا الحضرية وبالأخص طبقاتها العاملة .




