يوم الأحد أعلن "رئيس اللجنة العليا للانتخابات" تأجيل انعقاد الجلسة الأولى لـِ "مجلس الشعب" إلى موعد يُحدد لاحقاً. الموعد الذي أُلغي كان يوم الاثنين، وفي التبريرات الشائعة لقرار التأجيل أنه اتُخذ بسبب زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وتالياً انشغال الشرع باستقباله، وعدم تمكّنه من حضور الجلسة الافتتاحية للمجلس. أيضاً، أُعلن عن لقاء بين ترامب والشرع في أنقرة يوم الأربعاء، على هامش قمة الناتو التي دُعي إليها الثاني كضيف.
إذن، يستطيع مجلس الشعب الانتظار، بعدما انتظر طويلاً من قبل الإعلانَ عن حصة الرئيس التي تشكّل نسبة الثلث من الأعضاء. جدير بالذكر أن ثلثي الأعضاء تم اختيارهم من قبل "هيئات ناخبة" لم تُنتخب في أي اقتراع شعبي، وتسمية اللجنة العليا للانتخابات غير مطابقة أصلاً للواقع الذي شهد تعيين الثلثين ثم تعيين الثلث. وبصرف النظر عن هذا التوضيح يُذكر أن اللجنة العليا شُكّلت بتاريخ الثاني من حزيران عام 2025، أي أننا الآن على بُعد 13 شهراً منذ تأسيسها، ولا يُعرف بعدُ موعدٌ محدد لانعقاد المجلس العتيد.
يُفترض أن أداء القسم يُعدّ استهلالاً لولاية المجلس ومدتها ثلاثون شهراً، لكن يصعب التكهّن حول ما إذا كان المجلس الحالي سيحظى بتمديد ولايته، أو سيكون للمجلس اللاحق ولاية منقوصة قصيرة بحكم انتهاء المرحلة الانتقالية. الإعلان الدستوري في آذار 2025 كان واضحاً لجهة أن الولاية قابلة للتمديد، إلا أن الفقرة نفسها لم توضّح آليات التمديد، ومن يكون صاحب القرار فيه.
ما حدث، وأشار إليه العديد من الحقوقيين، أن الرئاسة تولّت مهام تشريعية خلال الفترة، وفي رأسها المهام المُناطة بالمجلس بحسب الإعلان الدستوري الذي ارتأته وارتضته الرئاسة نفسها. هكذا نُظر إلى تأخير إعلان حصة الرئاسة لمدة ثمانية شهور على أنه سحبٌ من صلاحيات المجلس المُنتظر، والذين أوّلوا التأخير على هذا النحو ليسوا من خصوم السلطة، بل هم من أنصارها الذي يتوسّمون بها خيراً، ويريدون للمجلس أن يحدّ مما يرونه استفراداً بالقرارات والمراسيم.
أيضاً، من جهة الأصدقاء لا الخصوم، أتت انتقادات تتعلق بمقدار تمثيلية المجلس، سواء لأسباب مناطقية أو ما يتعلق منها بالتنوع المجتمعي السوري. لعل الصوت الأضعف كان في مواجهة التمثيل الضعيف للمرأة في المجلس. في الحصيلة النهائية بلغت نسبة النساء حوالى 11% من الأعضاء، وهي بين النسب المتدنية جداً عالمياً. الأهم أن هذه النسبة لا تلحظ دور المرأة بعد الحرب، الدور الذي تشتد حيويته مع خسائر الحرب والاعتقال التي كان معظمها من الشباب والرجال، مع التأكيد على أن دور النساء لا يُختزل إطلاقاً بالدور التعويضي عن تلك الخسائر، ومع الانتباه إلى أن تغييبهن يعكس تواطؤاً ذكورياً واسعاً يتعدّى مركز القرار.
من المهام الرئيسة للمجلس اضطلاعه بمهمة تشكيل لجنة لإعداد الدستور الجديد، أي أنه (نظرياً على الأقل) يقوم بمهمة الهيئة التأسيسية لما يتجاوز المرحلة الانتقالية. الأسئلة عن مدى تمثيلية الأعضاء المختارين خطفت الانتباه من أسئلة تتعلق بالكفاءات التشريعية للأعضاء، بما أن للمجلس دوراً تشريعياً بحسب الإعلان الدستوري. هذه نقطة شديدة الأهمية والحساسية، خصوصاً مع ما يُشاع عن عملية تغيير واسعة وكبرى للقوانين الموروثة من المرحلة السابقة، فالمجلس العتيد قد يلعب دوراً لم تلعبه حتى المجالس النيابية بعد الاستقلال لجهة الانقلاب على البيئة القانونية العامة للبلاد، وإحلال بيئة جديدة تماماً مكانها.
في التبرير لتعيين المجلس على هذا النحو سيقت الحجج التي يمكن اختصارها بالحاجة إلى مجلس يسدّ الفراغ التشريعي خلال المرحلة الانتقالية. أصحاب هذه الحجة لم يذهبوا بالاستثناء إلى مقاصده المفترضة، فإذا كانت الغاية هي سدّ الفراغ فالأولى أن يكون المجلس تشريعياً بالاسم والمضمون، وأن يضمّ التكنوقراط من حقوقيين مشهود لهم بالخبرة. أما "مجلس الشعب" فيحيل بدءاً من التسمية إلى عملية سياسية، مثلما تحيل تسمية "اللجنة العليا للانتخابات" إلى حراك سياسي غير متوفر أصلاً.
الحاجة إلى الخبرات الحقوقية تبدأ من تبديد التناقض بين نص الإعلان الدستوري وتعليمات النظام الانتخابي المؤقت، وبعدها يُفترض بالمجلس أن يعيد دراسة المراسيم التي صدرت أثناء تأجيله للنظر في قانونيتها. استثنائية المرحلة الانتقالية التي بُني عليها الكثير من التجاوزات القانونية كانت تسمح، استثنائياً أيضاً، بتشكيل مجلس من غرفتين، واحدة تشريعية تضم الخبرات الحقوقية، والثانية تمثيلية حقاً لا شكلاً فقط، أي بمثابة مؤتمر وطني تأسيسي دائم الانعقاد، ليكون جزءاً من مهام المجلس التشريعي إيجاد التكييف القانوني لما يتم الاتفاق عليه بين أعضاء المؤتمر، خصوصاً في موضوع كتابة الدستور.
التبريرات التي كانت تُروّج مع الإعلان الدستوري لم تعد صالحة الآن، تحديداً ما يتعلق منها بحاجة السلطة الجديدة إلى التعلّم واكتساب الخبرة. فبعد مضي 16 شهراً على الإعلان، وتأجيل المجلس طوال هذه المدة، كان يُفترض أن تأتي "الطبخة" منسجمة قانونياً، في حال كان التأجيل بهدف إخراج المجلس على نحو أفضل. وإذا كانت فكرة المجلس بحد ذاتها غير صالحة فقد كان هناك متسع من الوقت للتراجع عنها، ولتعديل ما يخصّها في الإعلان الدستوري الذي لم يُحترم سابقاً في العديد من المناسبات والمراسيم.
لإرث التسمية نفسها لدى السوريين ذاكرة غير إيجابية، فـ"مجلس الشعب" ارتبط منذ بداية السبعينيات بكونه مجلساً شكلياً، وقد بدأ لأول مرة كمجلس معيَّن بعد انقلاب الأسد، ثم استمر التعيين وراء يافطة الانتخابات الشكلية. أيضاً كان المجلس طوال عقود نوعاً من تقسيم فتات السلطة خارج النواة الصلبة للأخيرة، ويمكن وصفه بجائزة ترضية لموالين للسلطة ولهم حيثيات اجتماعية تؤخذ بالحسبان، منها على سبيل إرضاء بعض شيوخ العشائر بعضوية المجلس.
تأجيل انعقاد المجلس حالياً يتوّج سياق الاستهانة به، وبما يذكِّر بالاستهانة التقليدية بمجالس الشعب، فيبعث رسالة مفادها عدم التغيير شكلاً ومضموناً. وإذا كان التأجيل على خلفية زيارة ماكرون، كما يُشاع، فهذا يعمّق الاستهانة لجهة عدم مراجعة روزنامة المواعيد وتنسيقها، مع التنويه بأن موعد زيارة ماكرون لم يحدد بشكل طارئ، وهو معروف في الأوساط في الفرنسية منذ حوالى شهر. أن يكون للخارج أولوية، وأن يؤجَّل الداخل إلى تاريخ لاحق غير محدد، فهذه إشارة إضافية لا ترضي بعض أنصار السلطة. أما إذا أخذنا هذه الترتيب للأولويات أبعد من ذلك فلترامب الأولوية المطلقة، والاجتماع معه يجبُّ ما قبله؛ هذا هو الدرس الذي تعرفه باريس منذ عقود إلا أنها لم تتعلم عدم تكراره.




