منذ صباح الجمعة في 4 الجاري وحتى الخميس في 9 منه، وإيران مشغولة بتشييع مرشدها الأعلى السابق علي خامنئي. وتستمر فترة الحداد الرسمي على مدى أربعين يوماً بعد مواراته الثرى في 9 الجاري. ولا ينتهي الأمر عند "أربعين" الراحل، بل ستقام شعائر تكريمه أسبوعياً وشهرياً طيلة السنة التالية بعد يوم دفنه.
التقاليد الشيعية الحالية أصبحت تدمج ذكرى ثالث الوفاة وأسبوعها، ونادراً ما تقيم ذكرى الأربعين، وأكثر ندرة الذكرى السنوية. فكثرة انشغالات الحياة المعاصرة وضرورة تحصيل الرزق، فرضت على الفرد تقليص وقت الانشغال بالموت، وكسب المزيد منه لتدبير أمور الحياة.
والوقت، سواء بالنسبة للفرد أوالجماعة أوالدولة، لا يتهاون مع من يبذره، مهما كانت مبررات هدره، خصوصاً بالنسبة للجماعة والدولة، حيث يصبح ثروة عامة توظف في الإنتاج وزيادة الثروة المشتركة.
تبرر إيران بالحرب عليها تأجيل تشييع مرشدها مدة أربعة أشهر. لكن مماحكة المفاوضات مع الولايات المتحدة بدأت في نيسان/ أبريل، وكان بوسع النظام الإيراني أن يستخدم واحدة من فترات انقطاع المفاوضات العديدة، التي كان يبادر إليها، لتشييع مرشده الأعلى. لكن الأهداف السياسية التي كان يخطط لها النظام ويضمنها مراسم التشييع، تتخطى ما تفرضه طقوس الموت وواجبات تشريع الإسلام الشيعي. ولم تكن فترات توقف المفاوضات المتلاحقة التي كان يبادر إليها تتسع لهذه المخططات، سيما وأنها تتمدد لفترة سنة على الوفاة. وما أن أصبح شبه متأكد من أن العمليات الحربية النشطة قد توقفت بفعل النصر الذي يتوهمه على الإدارة الأميركية، حتى أطلق مخططاته للتشييع..
النظام الإيراني، وعلى غرار كافة الأنظمة التسلطية، لا يخشى محاسبة الشعب الذي يطبق على أنفاسه ليسأله عن ثمن الوقت الذي يهدره لتشييع مرشده وإحياء ذكراه أسبوعياً وشهرياً. فضلاً عن أنه يدرك أن الوقت الذي يهدره يتوفر المزيد منه في اقتصاد شبه مدمر وإنتاج لا تتوفر شروط عمله وتطوره ونموه. أما شروط الحياة التي يوفرها للإيرانيين فلا تحتاج الوقت إلا لملاحقة مستويات انهيار العملة الوطنية وتحليق مستويات التضخم وأسعار السلع الضرورية.
توقف العديد من الخبراء ومواقع الإعلام عند المواعيد التي حددها النظام الإيراني للتشييع وطول الفترات الزمنية التي رسمها لفعالياته. واللافت أن بعض الإعلام الروسي لم يتوقف عند ثمن الوقت الذي أهدره النظام على فعاليات التشييع، بل رأى أن المماطلة في تأخير التشييع مخالفة للشرع والعادات الشيعية.
موقع Tehnowar الروسي نقل في 5 الجاري عن مستشرق روسي تفسيره تمديد مراسم دفن خامنئي لمدة أسبوع.
رأى المستشرق الروسي أوليغ غوشين أن مرور أكثر من أربعة أشهر بين الوفاة والدفن لا يُعدّ مجرد مخالفة للتقاليد، بل كسرًا لقاعدة راسخة عبر قرون. فالإسلام يقضي بدفن المتوفى قبل غروب شمس يوم وفاته، إلا أن السلطات اختارت عن عمد الخروج على هذا الحكم الديني، لأن السياسة، في نظرها، أهم من النصوص المقدسة. واعتبر تصرف السلطات الإيرانية هذا بمثابة "حملة بروباغندا".
رأى الموقع أن المستشرق محق في وصفه هذا. فخامنئي ليس مجرد إمام مسنّ، بل يُنظر إليه بوصفه "رمزًا وطنيًا" قضى شهيدًا. ولا يمكن التفريط بورقة دعائية بهذا الحجم في خضم الحرب الإعلامية. لذلك قررت السلطات الإيرانية المراهنة بكل أوراقها، وحوّلت مراسم التشييع إلى استعراض ضخم يهدف إلى إظهار قوة الدولة ووحدة المجتمع وعمق الحضارة الإيرانية.
في الفقه الإسلامي التقليدي، يُنظر إلى تأخير دفن الميت على أنه أمر غير مستحب، إذ يفضل التعجيل بالدفن وعدم إطالة بقائه من دون مواراة الثرى. لكن الحداثة التي اقتحمت الثقافة الإسلامية أخذت تُغيّر هذه المفاهيم التقليدية. وفي الحالة الراهنة، كان الهدف من هذا التأخير واحدًا: تنظيم حشد جماهيري واسع النطاق للمشاركة في مراسم التشييع. وتؤكد السلطات أن ما يصل إلى 20 مليون شخص سيحضرون على مدار أسبوع من مراسم الحداد لإلقاء النظرة الأخيرة على خامنئي وتوديعه. ومثل هذا الحشد من الجموع يحتاج إلى وقت. فهي "ليست مجرد جنازة، بل عملية تعبئة واسعة النطاق".
يشير المستشرق إلى أن كثيرين من المحللين يُرجعون هذا التأخير إلى انهيار لوجستي، قائلين إن السلطات لم تتمكن من التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة لوقف الضربات. لكن هذا، في رأيهم، عامل ثانوي. أما العامل الأساسي فهو الرغبة في تحويل الحداد إلى استعراض للقوة. فقد أرادت إيران أن تُظهر أنها قادرة على شلّ حركة البلاد لأكثر من أربعة أشهر، وحشد ملايين الأشخاص، وجعل العالم بأسره يراقب ذلك.
موقع قناة التلفزة الروسية ren.tv نقل في 4 الجاري عن المحلل السياسي الإيراني محمد إسلامي نفيه الرواية التي تقول بأن موعد تشييع خامنئي قد تم اختياره ليتزامن مع يوم الاستقلال الأميركي. وعلى عكس المستشرق السابق، أكد أن مراسم الحداد قد تم تحديدها بما يتوافق بدقة مع التقاليد الدينية الشيعية. وأوضح إسلامي أن موعد التشييع قد تم تحديده مباشرة بعد انقضاء الأيام العشرة الأولى من شهر محرّم، وهي الأيام المكرّسة لإحياء ذكرى الإمام الحسين. وبهذه الطريقة، تسعى السلطات إلى التأكيد على أن مقتل خامنئي يُنظر إليه باعتباره امتدادًا لمسيرة الشهادة التي يمثلها الإمام الحسين.
تفتق ذهن الإيرانيين المنظمين للتشييع عن مبادرات أثار بعضها استغراب الوفود الزائرة لتادية واجب التعزية. فقد نشرت في 5 الجاري الصحيفة الروسية المخضرمة aif نصاً عنونته بالقول " تلقّى المشاركون في جنازة خامنئي رسائل مشفّرة".
استهلت الصحيفة نصها بالإشارة إلى أن السلطات الإيرانية قد استخدمت القرآن الكريم للتوجه إلى اللاعبين الإقليميين الرئيسيين عبر الرموز الدينية. فقد تم تسليم كل من الوفود الأجنبية نسخة من الكتاب المقدس مفتوحة على صفحة تم اختيارها بشكل فردي. ووفقاً للإعلام الإيراني، فإن اختيار الآيات المحددة كان مدروساً بعناية ويرتبط مباشرة بالسياق السياسي الراهن وطبيعة العلاقات الثنائية.
وفد السعودية، التي تسعى إيران في السنوات الأخيرة إلى تطبيع علاقاتها معها بعد سنوات طويلة من التنافس، تم تسليمه مقطعاً يتناول لقاءً على أرض المعركة بين جيشين: مؤمن وكافر. وقد اعتُبر هذا الاختيار من قبل كثيرين تذكيراً رمزياً بالخلافات السابقة وبطبيعة المواجهة الدينية والسياسية بين طهران والرياض.
الوفد الرسمي اللبناني تم تسليمه مقطعاً يتناول أشخاصاً يتجنبون روح التضحية عندما يُطلب منهم تقديم الدعم. وهي خطوة فُسّرت على أنها إشارة ضمنية إلى سياسات السلطات اللبنانية في المواجهة مع إسرائيل.
بالنسبة لوفد "حزب الله" الذي تكبّد خسائر كبيرة خلال الأشهر الأخيرة، اختار الجانب الإيراني عبارة: "لا تضعفوا ولا تحزنوا- أنتم الغالبون "، وهو ما اعتبره كثيرون دعوة لمواصلة القتال.
ممثلو حركة حماس التي فقدت أيضاً عدداً من قادتها خلال الصراع المستمر مع إسرائيل، تلقّوا آية تتحدث عن الأشخاص الذين أدّوا واجبهم تجاه الله: "منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر". وقد ربط محللون هذا الاختيار بالخسائر الداخلية للحركة وبالحاجة إلى الحفاظ على الروح المعنوية.
وبعد أن أشارت الصحيفة إلى الآيات التي تلقاها الوفد التركي ووفد الحوثيين، اختتمت نصها بالقول: "وبذلك تحوّلت الهدايا الدينية في الجنازة إلى أداة تواصل دبلوماسي، وهذا ما أتاح لإيران إيصال رسائلها إلى اللاعبين الرئيسيين في الشرق الأوسط من دون الحاجة إلى التصريح المباشر".




