تشييع خامنئي: عراضة متعددة الوجهات والرسائل

بسام مقدادالسبت 2026/07/04
جثمان خامنئي (Getty)
التشييع هو أقرب إلى التعبئة العامة لشيعة "محور المقاومة" (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد أربعة أشهر في غرفة تبريد المشرحة، قررت أخيراً القيادة االإيرانية تشييع جثمان مرشدها الأعلى السابق علي خامنئي. وبدأت مراسم التشييع يوم الجمعة في 3 الجاري، على أن تنتهي الخميس في التاسع منه بمواراة الجثمان في ضريح الإمام علي الرضا في مدينة مشهد، مسقط رأس الراحل. 

 

وإذا كانت ظروف الحرب التي أحاطت بمقتل المرشد في 28 شباط/فبراير المنصرم قد انتزعت من القيادة الإيرانية حرية القرار والاكتفاء بمراسم دفن مفترض متواضعة وشبه سرية، قررت الآن تنظيم تشييع- عراضة حمّلته الكثير من الرسائل وباتجاهات مختلفة. وأهم ما توخته طهران بجهودها الهائلة التي بذلتها في تنظيم مشهدية التشييع الضخمة: نظام الملالي لا يزال متماسكاً وعلى أهبة الاستعداد لاستئناف المجابهة مع الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل. ولم يكن من قبيل الصدفة أن تختار توقيت التشييع ليتزامن مع احتفالات الولايات المتحدة بسنويتها المئتين وخمسين في 4 الجاري. وبالتأكيد لم يكن صدفة أيضاً أن يقرر النظام الإيراني توسيع جولة جثمان المرشد لتشمل النجف وكربلاء في العراق، وليس فقط لإبراز تمسكها بأذرعها في بلدان المنطقة،  بل الأهم تكريس ما يدعيه النظام الإيراني بأن المرشد الأعلى، ولي الفقيه ونائب المهدي المنتظر، هو زعيم الشيعية في العالم وقائدها بلا منازع. 

 

من يستعرض التدابير التي أقرتها القيادة الإيرانية استعداداً للتشييع (التخطيط لحشد 20 مليون شخص، إعداد وسائل النقل المجانية، دعوة الإيرانيين لفتح منازلهم لاستقبال الزوار، إعداد 50 مليون قطعة خبز، وسواها الكثير)، يدرك أن التشييع هو أقرب إلى التعبئة العامة لشيعة "محور المقاومة"، وليس فقط للوقوف مع النظام الإيراني في الحرب المستمرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، سواء بالمفاوضات أو بالضربات المتبادلة دورياً. فمن تابع تفسير الإيرانيين لضرباتهم لدول الخليج باعتبارهم من السنّة، يدرك أيضاً أن لهذه التعبئة قد تكون أهداف أكثر خبثاً وخطورة. وقد لا يكون في الأمر ما هو مستغرب، إذا أخذنا بالاعتبار أن نظام ولاية الفقيه الذي يعلن عبر تشييع مرشده إصراره على الوجود بصيغة أكثر تشدداً وعسكرة. والشرط الضروري لوجود هذا النظام منذ نشأته كان ولا يزال يتمثل في زعزعة أمن المنطقة، كشرط ضروري لتحقيق رسالته في تصدير ثورته. وطبيعته الأيديولوجية الدينية تحتم عليه عدم رفض أي وسيلة، مهما بلغ خبثها ودمويتها، للحفاظ على وجوده وديمومته.

 

مواقع الإعلام، على اختلاف هوياتها واتجاهاتها، أخذت تتابع كل جديد يتعلق يتشييع خامنئي، منذ ان أعلنت إيران عن موعد التشييع في أواسط الشهر الماضي. لكن القليل منها توقف عند تحليل النشاطات التي تضمنتها خطة التشييع ودلالاتها. 

صحيفة Mk الروسية العريقة استعرضت في 3 الجاري أهم تعليقات شبكة CNN على نشاطات التشييع والرسائل التي تتضمنها. 

عنونت الصحيفة الروسية نصها بالقول "الموت كسلاح: طهران تحوّل جنازة خامنئي إلى رسالة تؤكد صلابة قوتها التي لا تنكسر". واستهلت نصها بالقول إن إيران قد وجّهت رسالة تحدٍّ إلى ترامب عبر تنظيم جنازة مهيبة للمرشد الأعلى الراحل علي خامنئي. فبعد أربعة أشهر من مقتله في الأيام الأولى من العدوان الأميركي–الإسرائيلي، تُخلَّد ذكرى آية الله علي خامنئي من خلال مراسم تشييع تمتد أسبوعًا كاملًا، تُقام في خمس مدن موزعة بين بلدين، ومن المتوقع أن يشارك فيها ملايين المشيعين.

 

نقلت الصحيفة عن الشبكة الأميركية إشارتها إلى أنه على الرغم من الحرب المكلفة التي واجهت فيها طهران اثنتين من أقوى القوى العسكرية في العالم، ورغم عقود من الضائقة الاقتصادية الشديدة، فإنها لا تبخل بالموارد لإقامة مراسم وداع مهيبة لعلي خامنئي، تتشح برمزية دينية كثيفة وتتزامن مع الاحتفال بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة. تعلن السلطات أنها نفّذت واحدة من أكبر العمليات اللوجستية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، من خلال تعبئة الموظفين الحكوميين والجامعات والنقابات ورجال الإطفاء والجنود والعاملين في المنظمات الإنسانية وحتى "مجموعات الحداد" الدينية، من أجل تنظيم الجنازة وخدمة ملايين "الحجاج" الذين يُتوقع أن يتوجهوا إلى المدن والمواقع المقدسة في إيران والعراق لتوديع آية الله. وتعلن سلطات العراق المجاور، حيث يشكّل المسلمون الشيعة أغلبية السكان، أن ملايين من المعزّين يجب أن يعبّروا عن مشاعرهم.

بعد أن تشير الشبكة إلى تصريح محمد باقر قاليباف الذي يرى فيه أن التشييع هو تذكير العالم بأن إيران لا تنسى دماء مرشدها ولن تصمت على إراقته، تقول بأن ما يجري قد يكون الإطار للحظة ظهورالمرشد الأعلى الجديد لإيران مجتبى خامنئي لأول مرة علنًا، بعد أن ظلّ متواريًا منذ مقتل والده وأفراد من عائلته. 

 

ترى الشبكة أن تنظيم التشييع في شهر محرم الذي استشهد فيه الحسين، وانتصر الدم على السيف، كما يقول الشيعة، لم يكن صدفة. وتعمدت إيران تنظيم التشييع في ثلاث مدن إيرانية ومدينتين عراقيتين مقدستين، لتقول لمناصريها أن خامنئي لم يهزم حتى بعد مقتله. وتنقل الشبكة عن المحللة الأميركية سينا توسي (Sina Tussi) قولها "إن السلطات الإيرانية تريد القول لأنصارها إن الاغتيال جعل خامنئي، بعد وفاته، أكثر نفوذًا بكثير مما كان عليه في حياته. فقد بات يُقدَّم اليوم بوصفه مرجعًا دينيًا شهيدًا، على غرار القديسين الشيعة الذين استشهدوا، والذين عُدَّت طريقة استشهادهم تأكيدًا لصحة نهجهم ورؤيتهم."

موقع الخدمة الروسية في شبكة BBC نشر في 3 الجاري نصاً سجل نشاطات التشييع من دون أن يضمنها الكثير من تحليل مراميها. فقد عنون نصه بالقول "سبعة أيام وملايين من المشيعين: كيف تُقام جنازة المرشد الأعلى الإيراني القتيل علي خامنئي". 

استهل الموقع نصه بالإشارة إلى أنه يوم الجمعة في 3 من الجاري، بدأت في طهران فعاليات الحداد على المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، بعد أكثر من أربعة أشهر على مقتله. ويصف المسؤولون الإيرانيون هذه المناسبة بأنها "جنازة القرن".

 

ابتداءً من الجمعة في 3 تموز/يوليو، سُجي جثمان خامنئي في مسجد الإمام الخميني في طهران. وبحسب تقديرات المسؤولين، قد يشارك في مراسم التشييع ما بين 12 و20 مليون شخص. وتؤكد السلطات أن الاستعدادات لهذه المراسم تُعد غير مسبوقة من حيث حجمها مقارنةً بجميع الفعاليات الرسمية التي شهدتها إيران عبر تاريخها. ومن بين الإجراءات المتخذة: آلاف المخيمات للزوار؛ توفير سكن لأكثر من مليون وافد؛ مسار مُصمَّم خصيصًا عبر وسط طهران، يتيح تنظيم تدفّق الحشود وضمان الأمن.

يرى الموقع أن المراقبين سيتابعون بصورة دقيقة لمعرفة أيّ من الشخصيات السياسية والدينية العالمية، إضافةً إلى ممثلي الأجهزة الأمنية، سيصلون إلى طهران. وبعضهم يرى أن معرفة من يفضل عدم الحضور لن يقل أهمية. وبحسب المنظّمين، ستشارك في الفعاليات وفود رسمية من عشرات الدول، بما في ذلك رؤساء دول ورؤساء حكومات ورؤساء برلمانات وأعضاء في الحكومات. ومن المتوقع أن يقوم نحو 800 صحافي أجنبي بتغطية هذه الأحداث.

يشير الموقع إلى أن السلطات الإيرانية جعلت شعار التشييع عبارة عن دعوة: "يجب أن ننهض"، مرفقة برمز قبضةٍ مضمومة. وتقول مواقع أخرى أن الشعار كان عبارة عن صورة المرشد الراحل وهو يرفع قبضته متوجهاً إلى الإيرانيين بالتعبير نفسه "يجب أن ننهض".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث