اتفاق الإطار والإنكار اللبناني الطويل

سالي عليالجمعة 2026/07/03
Image-1773610531
اتفاق الإطار تتويج لمسار طويل من الاختلالات (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يفاجئني اتفاق الإطار بقدر ما فاجأتني الطريقة التي استقبله بها اللبنانيون، كأنهم يواجهون حدثاً غير مسبوق في تاريخ دولتهم. فجأة عاد الحديث عن السيادة، وعن القرار الوطني، وعن التدخلات الخارجية، كأن هذه الأسئلة وُلدت مع الاتفاق، لا قبله. انقسمَ الشارع سريعاً بين من رآه اتفاق سلام، ومن اعتبرهُ اتفاق إذعان، ثم عاد كل فريق إلى خندقه القديم. لم يتغير شيء سوى عنوانُ السجال.

ذلك أنّ الاتفاق ليس القضية. القضية هي أنّ اللبنانيين ما زالوا يتعاملون مع كلّ تسوية كأنها بداية الأزمة، بينما تكون في الغالب هي نتيجتها الأخيرة. فالسياسة لا تصنع المفاجأة بقدر ما تكشفها. والاتفاقات لا تُولد عندما تكون الدول في ذروة قدرتها على فرض شروطها، بل عندما تكون موازين القوى قد استقرت، وأصبح ما فُرض على الأرض قابلاً للترجمة السياسية. بهذا المعنى، لا يبدو اتفاق الإطار نقطة تحول بقدر ما يبدو تتويجاً لمسار طويل من الاختلالات التي راكمها لبنان على مدى عقود، حتى باتت تُكتب اليوم في وثيقة رسمية.

 

ذاك لا يعني التقليل من خطورة الاتفاق، ولا من الأسئلة التي يثيرها. فمن الطبيعي أن يقلقَ اللبنانيون من بنود تمس السيادة، أو من ترتيبات أمنية تبدو أكثر وضوحاً في حماية أمن إسرائيل منها في حماية لبنان أو مساءلة إسرائيل إذا خرقت التزاماتها. كما أنّ النقاش حول دور الجيش وحدود صلاحياته في أيّ ترتيبات مقبلة، نقاش مشروع لا يجوز الاستخفاف به. لكنّ السؤال الذي أراه أكثر أهمية ليس: ماذا أخذ الاتفاق من سيادة لبنان؟ بل: ماذا بقي من هذه السيادة قبلَ توقيعه؟ فالسيادة ليست بنداً قانونياً فقط، بل ممارسة سياسية. وهي تبدأ عندما تكون الدولة وحدها صاحبة القرار في الحرب والسلم، وصاحبة الاحتكار الكامل لاستخدام القوة. وعندما يغيب هذا الاحتكار يصبح أيّ اتفاق لاحق انعكاساً لخلل قائم، لا سبباً له.

يمكننا تتبع هذا الخلل منذ اتفاق القاهرة عام 1969، حين قبلت الدولة، للمرة الأولى، بتقاسم جزء من سلطتها الأمنية تحتَ ضغط الوقائع الإقليمية. ثم جاءت الحرب الأهلية لتقضي على ما تبقى من مركزية القرار قبل أن يعيد اتفاق الطائف بناءَ المؤسسات من دونِ أن يحسم مسألة احتكارِ الدولة للسلاح. وبعد انسحاب القوات السورية، عادَ القرار 1559 لطرح القضية نفسها بصيغة دولية، ثم كرر القرار 1701 بعد حربِ تموز الدعوة إلى بسط سلطة الدولة جنوباً وتعزيز دور الجيش. تبدلت المراحل، لكن السؤال بقي معلقاً: من يملكُ القرار النهائي في لبنان؟ لهذا، لا يبدو اتفاق الإطار انحرافاً عن المسار اللبناني إنّما امتداداً منطقياً له. من يقرأ تاريخ الدولة اللبنانية لا يمكنه أن يتعامل مع الاتفاق بوصفه حادثاً مفاجئاً، لأنّ الطريق إليه كان يُرسم تدريجياً مع كل استحقاق أُجّل، مع كل أزمة رُحّلت، ومع كل مرة فضّل فيها اللبنانيون إدارة الانقسام على معالجته.

 

ولعلّ ما يكشفه الجدل الدائر حول الاتفاق ليس الوثيقة نفسها، بل طبيعة المجتمع السياسي اللبناني. فكل طرف قرأها انطلاقاً من روايته الخاصة عن لبنان، لا من نصها. بالنسبة إلى جمهور المقاومة، بدا الاتفاق محاولة لاستكمال ما لم تحققه الحرب عبر فرض قيود سياسية على دور السلاح. أما بالنسبة إلى خصومها، فقد بدا فرصة متأخرة لإعادة الاعتبار للدولة واحتكارها للقرار الأمني. وفي الحالتين، لم يكن النقاش يدور حول بنود الاتفاق بقدر ما كان يدور حولَ تاريخ لبنان نفسه، وحول أيّ رواية ينبغي أن تنتصر بعد الحرب. 

وربما للحقيقة هنا تكمن المشكلة الأعمق. اللبنانيون لا يختلفون فقط على السياسة، بل على تعريف الوطن نفسه. لكل طائفة ذاكرتها، ولكل حزب روايته، ولكل فريق أبطاله وهزائمه وانتصاراته. لذلك لا يتحول الحدث الواحد إلى تجربة وطنية مشتركة بل إلى وقائع مختلفة يقرأها كل جمهور بعينٍ مختلفة. وما يراه فريق استعادة للدولة، يراه آخر استهدافاً للمقاومة. وما يصفه فريق بأنه تنازل عن السيادة، يراهُ آخر محاولة متأخرة لاستعادتها. 

 

ليست المشكلة في الاختلاف، فهو جزء طبيعي من أيّ مجتمع، بل في غياب الحد الأدنى من السردية الوطنية المشتركة التي تجعل الجميع يختلفون داخل الدولة، لا على معنى الدولة نفسها. لهذا أيضاً، لم يكن التدخل الخارجي في لبنان استثناءً تاريخياً، بل نتيجة طبيعية لفراغ داخلي مزمن. فحين تعجز الدولة عن إنتاج قرار سيادي واحد، يصبح الخارج جزءاً من آلية إنتاج السياسة، لا مجرد عامل ضغط عليها. لم يكن النفوذ السوري، ولا الإيراني، ولا الأميركي، ولا الفرنسي، ولا حتى الإسرائيلي، ممكناً لولا أنّ الداخل اللبناني نفسه بقي منقسماً حول أولوياته وهويته وخياراته الكبرى. كلّ فريق رفض تدخل الخارج عندما استهدفه، ثم لجأ إليه عندما احتاجه.

 

المفاجأة إذن، ليست أن يُوقّع لبنان اتفاقاً كهذا، بل أن يتصرف كثيرون كأنّ الطريق إليه لم يكن واضحاً منذ زمن. فالبلد الذي لم يحسم يوماً احتكار الدولة للسلاح، ولا مفهوم السيادة، ولا موقعه من صراعات الإقليم، كان يسير خطوة بعد أخرى، نحو لحظة يصبحُ فيها التفاوض من موقع الضعف أمراً لا مفر منه. لهذا، لا أرى في اتفاق الإطار أصل الأزمة بل الدليل الأكثرُ وضوحاً عليها. فهو لا يقول إنّ لبنان خسرَ سيادته اليوم، بل يكشف أنّ سؤال السيادة لم يُحسم فيه منذ عقود! وما لم يتفق اللبنانيون على دولة تكون وحدها صاحبة القرار سيبقى كل اتفاق جديد يُقرأ بوصفهِ خيانة عند فريق، وانتصاراً عند آخر، فيما يبقى الخاسر الوحيد هو الدولة نفسها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث