سقوط فلسفات كروية

يوسف بزيالخميس 2026/07/02
مونديال 2026 (Getty)
التطور التكنولوجي غير التدريب نفسه (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في المونديالين السابقين (2018 و2022) لم يستطع المنتخب الألماني لأول مرة في تاريخه المهيب تجاوز دور المجموعات. واحدة من أكبر صدمات كأس العالم ومفاجآته. في المونديال الحالي، ورغم الجهود التي بُذلت على امتداد أربع سنوات، خرج المنتخب الألماني من السباق في أول مباراة إقصائية، علماً أنه تعرض لهزيمة محرجة أمام الأكوادور في دور المجموعات.

 

من الواضح أن الكرة الألمانية في أزمة، فلا يُحمّل عناد المدرب يوليان ناغلسمان وحده مسؤولية الخروج المهين من البطولة، ولا يعزى السبب بسوء الحظ، أو بتراجع مستوى بعض اللاعبين، أو لظلم تحكيمي. إنها أزمة "المدرسة الألمانية" التي كانت قادرة دوماً على صنع المنتخب المخيف الذي يخشاه الجميع، وباتت اليوم عاجزة عن تشكيل ذاك الفريق المرشح الدائم للبطولة.

تميزت تلك المدرسة بالانضباط التكتيكي، واللعب الجماعي المتوازن دفاعاً ووسطاً وهجوماً، مع إصرار على الضغط العالي والسرعة في التحول. والأهم، تلك الشخصية الواثقة والقوية بدنياً والقادرة دوماً على العودة وقلب الهزيمة إلى انتصار. 

هذا وحده لم يعد كافياً في كرة القدم الحديثة، التي تعتمد مرونة تكتيكية تحتاج إلى لاعبين متعددي الأدوار، خصوصاً أولئك الذين يتحركون في المساحات الضيقة بين الوسط والهجوم.

الفشل الألماني يحيّر الجميع، تماماً كما النتائج المفاجئة -السلبية أو الإيجابية- التي تأتي بها بعض المنتخبات (المغرب، هولندا، الأورغواي، الرأس الأخضر، إلخ). ثمة متغيرات عميقة تصيب عالم كرة القدم.

 

أكثر المتابعين المخضرمين يشدهم دوماً الحنين إلى ذاك الصفاء في كرة القدم الإيطالية والبرازيلية والهولندية والألمانية.. إلخ. أي حين كان كل منتخب صاحب مدرسة وطريقة لعب وفلسفة تكتيكية تختلف عن المنتخبات الأخرى. 

من المرجح أن ذلك انتهى من غير عودة. وهذا سبب أساسي في السقوط الألماني المتكرر. وما الإصرار على استعادة أو إحياء فلسفة الكرة الألمانية القديمة سوى مجلبة للهزائم، أمام منتخبات ما عادت تلعب كما في السابق.

المثال الأوضح نجده في الكرة الإيطالية التي انهارت تماماً وغابت عن المونديال ثلاث مرات توالياً. من كان يتصور أن أصحاب النجوم الأربع الشديدي الصلابة والحيلة والذكاء الدفاعي ما عادوا مؤهلين لكأس العالم؟

إذا كانت الكرة الألمانية مريضة فإن الكرة الإيطالية ميتة. وعلى امتداد عقدين، تأكد أيضاً أن الكرة الهولندية أصبحت تنتمي إلى الماضي البعيد. أما المنتخب الإنكليزي، وفي سبيل تطوير نفسه وتعزيز حظوظه وحلمه المديد في حمل الكأس مجدداً بعد انتظار ستين عاماً، فقد هجر كلياً أسلوبه القديم. 

 

المدارس الكروية الأقل بريقاً، في أوروبا الشرقية خصوصاً، التي كانت دائماً تنتج منتخبات تلعب دور "الحصان الأسود"، كبلغاريا ورومانيا وروسيا (ويوغوسلافيا سابقاً) وآخرها كرواتيا، والمتميزة بالالتحامات البدنية والنسق العالي والهجمات المباغتة، ما عادت قادرة على مجاراة اللعب الحديث.

بعد مونديال 2002، بدأت الكرة البرازيلية بالانطفاء. اختفى "السحر"، وما عاد ممكناً الرقص، وباتت أي محاولة للاستعراض تنتهي بالخسارة. وحين جاءت صدمة 2014 في النصف النهائي، أدرك الجميع الأفول التام لعصر كرة السامبا. ولذا، ليس مصادفة أن "الولادة الجديدة" تتم لأول مرة على يد مدرب أوروبي لا برازيلي. جاء كارلو أنشيلوتي ليعلم البرازيليين معنى الانضباط واللعب الجماعي وفق مخطط مدروس، والتزام كل لاعب بدوره. أما الارتجال فغير متاح إلا بحدود معلومة ووفق تكتيكات متفق عليها. 

"التيكي تاكا" الإسبانية التي بهرت العالم قبل 18 عاماً ومنحت إسبانيا كأس العالم سنة 2010، وبطولة أوروبا مرتين (2008، 2012)، لم تفز ببطولة أوروبا عام 2024، إلا بعد تجاوز "التيكي تاكا" نسبياً، واعتماد أسلوب آخر أكثر مباشرة، وترك "اللعب الجميل" لمصلحة الفعالية. وهناك شكوك تحوم حول الأداء الإسباني الذي بدا باهتاً في بداية هذا المونديال.

 

نضيف إلى ذلك، أنه ما عاد ممكناً الفوز بكأس العالم بهدف تسجله يد مارادونا مثلاً، أو عبر التسلل، ولا بتمثيل لاعب في منطقة الجزاء لينال "بينالتي" خداعاً. ما عاد ممكناً لحارس المرمى إضاعة الوقت. التكنولوجيا تسيطر على كرة القدم، والدراما تتضاءل.

مقابل أفول المدارس الكبرى والعريقة، و"تهافت" فلسفات كروية، تبرز كرة قدم جديدة، معاصرة وفتاكة، منبعها أوروبا بالتأكيد. وهي هجينة إلى حد بعيد في توليفة تجمع من كل مدرسة عنصراً أو تقنية، في نسق منسجم وفعال.

بات على كل منتخب وطني أن يشبه أكثر فرق الأندية الصفوة، تلك التي تتبارز في "التشامبيونز ليغ". وأبرز مثال على ذلك المنتخب الفرنسي الذي يمكن حقاً تسميته بتلك الصفة التي أطلقت ذات يوم على ريال مدريد "الغالاكتيكا" (أي مجرة النجوم). كل لاعب أساسي أو في الاحتياط هو نجم في مركزه.

 

التطور التكنولوجي غيّر أيضاً التدريب نفسه. ما عاد كل فريق يعتمد فقط على فكر المدرب وأسلوبه. أصبح التخطيط والتدريب يعتمد على تحليل البيانات والإحصاءات والتصوير الدقيق والتفصيلي لكل مباراة، ولكل حركة. قياس السرعات والحركة البدنية وعوامل الوزن والطول، مع جمع معلومات تتعلق بالحيوية البيولوجية، بل وحتى دراسة عشب الملعب وعوامل الطقس، إضافة إلى الكمّ الهائل من المعلومات التي يقدمها "الطب الرياضي" والعلوم البيو-رياضية. هناك فريق متخصص يحيط بالمدرب، يعتمد أيضاً على الذكاء الاصطناعي وكمبيوتر المحاكاة الافتراضية. وهذا من دون أن ننسى الإعداد الذهني، ودور علم النفس المؤثر.

 

ما يمكن أن ينقذ إيطاليا أو ألمانيا أو هولندا أو يعيد المجد البرازيلي ويديم قوة الأرجنتين ما بعد حقبة ميسي، ويمنح الدول الأخرى فرصة التطور، هو التخلي عن الهوية القديمة، والالتحاق بتلك الكرة التي تقدمها فرنسا (والمغرب أيضاً) وقد تتقنها البرتغال. أي كرة قدم قائمة على إنتاج المواهب وإشراكها في الأندية الكبرى غير المحلية.

باختصار، هناك مدرسة وفلسفة واحدة هي "الأوروبية الهجينة" وليدة الأندية الإنكليزية والإسبانية، يضاف إليها البايرن ميونيخ في ألمانيا وباري سان جرمان في فرنسا.

بغض النظر عن الذي سيحمل الكأس يوم 19 تموز المقبل، فإن الفائز الحقيقي هو الفلسفة الجديدة: لعب أسرع، تنظيم أشد، اعتماد أكبر على العلم. وما يبقى ثابتاً ويؤكده هذا المونديال هو المواهب الاستثنائية التي لا غنى عنها في صنع المعجزات.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث