"لا يمكن لشخص عائد من مظاهرة أو من اجتماع سياسي ثوري أن يجلس بشكل مستقيم على كرسي من طراز لويس الرابع عشر". تنسب تلك العبارة إلى حركة "التصميم المضاد" الإيطالية في نهاية الستينيات من القرن الماضي، وتلخص المنطق المعادي للذائقة للبرجوازية، الذي حفز تصميم المقاعد المحشوة "البين باغ". في العام 1968، أطلق المصممون الإيطاليون بييرو غاتي، تشيزاري باوليني وفرانكو تيودورو تصميمهم الثوري، "ساكو" (أي الكيس بالإيطالية)، الذي كان عبارة عن مقعد على شكل ثمرة كمثرى مصنوع من الجلد ومحشو بكرات البولسترين. وبفضل المزاج الاحتجاجي والمتمرد لحقبة الستينيات، سرعان ما تحول التصميم الفاخر إلى أيقونة شعبية. يتميز مقعد "البين باغ" بمرونته فهو يتشكل بحسب طريقة جلوس الفرد بينما يفرض المقعد التقليدي علينا طريقة جلوسنا. الأهم أن الاسترخاء بالقرب من الأرض يوحي بنمط حياة عفوي ومسترخٍ، ويكسر التراتبيات والهرميات ويتيح جو من الحميمية.
يوم الاثنين قبل الماضي، وعقب مباراة مصر ونيوزيلندا في المونديال، اندفع الحضور في منطقة "الفان زون" بالعاصمة الإدارية الجديدة، للاحتفال بفوز فريقهم وشرعوا في تمزيق مقاعد "البين باغ" وإلقاء حشوتها في الهواء كنتف الثلج. وهو ما تناولته وسائل الإعلام بالنقد مع تلميحات طبقية، ذلكَ بوصفه سلوكاً غير متحضر وتخريبي، علاوة على افتقاد مرتكبيه للامتنان بعد السماح لهم بحضور عرض المباريات مجاناً. وانتهى الأمر بإلقاء القبض على عشرة من الجمهور بتهمة تخريب الممتلكات العامة. بالطبع لم يخطر ببال أياً من المتورطين في واقعة "البين باغ" أو المسؤولين عن منطقة الجمهور، أن تلك المقاعد المحشوة صممت في الأساس لأجل أن تكون علامة على التمرد، وأنه كان من المفترض بها أن تكون مجلساً للعائدين من ثورة أو من هم على وشك القيام بواحدة.
ورثت استادات كرة القدم بعضاً من ملامح الملعب الروماني، هناك يتم تكثيف النوازع العنيفة للجمهور وللمجتمع، ومن ثم ترميزها في منافسة مخففة حول الربح والخسائر، بديلاً عن ثنائية النجاة والموت. لا أسود ولا ضحايا يتم افتراسهم أمام الجمهور المنتشي. ومع ذلك، لطالما كانت المدرجات ساحة لتنفيس العنف الجماهيري من جهة، ومحاولات السلطات لضبطه من جهة أخرى. بدورها ورثت الاحتفالات الكروية بعضاً من تركة الكرنفال، حيث تتهاوى القواعد في لحظة زمنية مؤقتة ومتوافق عليها، وينطلق العنان للتخريب البهيج وشبه الطقسي.
تخريب الجمهور الذي تم نقله مجاناً في قطار المونوريل من القاهرة إلى العاصمة الجديدة ليس استثناء، ويظل في حده الأدنى من ناحية مستوى العنف مقارنة بأحداث الشغب المعتادة في ملاعب الكرة القدم أو الاحتفالات خارجها. لكن ثمة ما يجعل التخريب اللين والمحدود في "الفان زون" ذا طبيعة خاصة. العلاقة المؤقتة والاغترابية بين جمهور قادم من مدينة بلا فضاءات عامة وبين فضاء عام بلا جمهور، تلحق ساحات العاصمة الجديدة بفئة من الفضاءات يطلق عليها "اللامكان" بالمعنى الأنثروبولوجي للكلمة، هي أمكنة تكون علاقتنا بها مؤقتة وعابرة ومبتورة. تلك الثغرة الطبقية المفاجئة والاستثنائية التي تسمح لجمهور القاهرة العتيقة بالوجود في العاصمة الجديدة في موسم كأس العالم يعزز الشعور الكرنفالي المميز بالاستثنائية والزمن المؤقت. لم يكن عنف "البين باغ" احتجاجياً ولا انتقامياً، بل احتفالياً بحس كرنفالي لجمهور يدرك أنه في مكان لا ينتمي إليه، وغير حقيقي إلى حد كبير.
تدرك السلطة في مصر التهديد التي تتعرض له في كل مرة تسمح فيها للجمهور بالاحتشاد. حينها تنفلت الأمور من يدها، وفي دائرة من التأكيد الذاتي تثبت لنفسها ولجمهورها أنه لا حلول خارج القبضة الأمنية المحكمة. بعد واقعة "البين باغ" أعلنت الشركة المنظمة عن وقف استقبال الجمهور بحجة الأسباب تقنية، فيما يتردد عزمها فرض تسعيرة تمييز طبقي، تسمح للقادرين فقط على سعر التذكرة بالحضور.




