محظورات وزارة الإعلام: لغة فضفاضة وسلطة بلا رقابة

ميشال شمّاسالأربعاء 2026/07/01
وزير الإعلام السوري (سانا)
محظورات وزارة الإعلام: خلط بين حماية الأمن الوطني وبين حماية السلطة من النقد (سانا)
حجم الخط
مشاركة عبر

أثارت مجموعة المحظورات التي أعلنتها وزارة الإعلام السورية أسئلة تتجاوز مضمون البنود نفسها إلى طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وحدود ما يُسمح للناس أن يقولوه أو يناقشوه في الفضاء العام. فوجود ضوابط للنشر أمر مطلوب، ومعظم دول العالم تعتمد قواعد تنظّم تداول ونشر المعلومات، لكن الفارق الجوهري يكمن في كيفية صياغة هذه الضوابط، والجهة التي تضعها، والآليات التي تُطبّق من خلالها. هنا تحديداً تظهر الإشكالية الأساسية في المحظورات الجديدة، التي تبدو أقرب إلى إطار فضفاض يمنح السلطة التنفيذية قدرة واسعة على ضبط المجال العام، أكثر مما تبدو محاولة مهنية لتنظيم العمل الإعلامي.

 

العناوين التي تتضمنها المحظورات قد تبدو للوهلة الأولى مفهومة: حماية أسرار الجيش والأمن، منع التحريض على العنف، تجريم خطاب الكراهية، صون الخصوصية، مكافحة التضليل الإعلامي. وهي عناوين قد يراها جزء من الرأي العام خطوة ضرورية للحد من الفوضى الإعلامية والشائعات. غير أن السؤال الحقيقي يتعلق بالتفاصيل: ما الذي يُعدّ سراً عسكرياً؟ ما تعريف القضايا السيادية؟ أين يبدأ التحريض وأين ينتهي النقد السياسي؟ ما حدود الآداب العامة والنظام الأخلاقي؟ ومن يملك سلطة تعريف هذه المفاهيم؟ عندما تُترك هذه المصطلحات بلا تعريفات دقيقة، تصبح قابلة للاستخدام كأدوات سياسية وأمنية، تُسلَّط على الصحافيين والكتّاب والمواطنين كلما عبّروا عن رأي لا ينسجم مع الرواية الرسمية.

يمكن النظر إلى المحظورات من خلال ثلاثة مستويات. في المستوى الأول، نجد البنود التي يمكن الدفاع عنها من حيث المبدأ، مثل منع نشر المعلومات العسكرية أو الأمنية الحساسة التي يؤدي كشفها إلى ضرر فعلي، وليس مجرد أي معلومة تتعلق بالمؤسسة العسكرية أو الأمنية. كذلك، فإن منع التحريض المباشر على العنف أو الدعوة إلى تخريب الممتلكات أو الاعتداء على الآخرين هو أمر متعارف عليه في أغلب النظم القانونية. وفي هذا المستوى أيضاً يندرج تجريم خطاب الكراهية القائم على الدعوة إلى التمييز أو العنف ضد أفراد أو جماعات بسبب دينهم أو عرقهم أو جنسهم أو انتمائهم الطائفي أو القبلي، إضافة إلى حماية الخصوصية ومنع التشهير والإساءة المتعمدة للسمعة. هذه المبادئ مشروعة إذا صيغت بدقة وطُبّقت بعدالة، لأنها تحمي المجتمع من دون أن تقيد حقه في النقاش والنقد.

 

أما المستوى الثاني فيضم العبارات التي تبدو معقولة ظاهرياً لكنها تحتمل تفسيرات واسعة، مثل القضايا السيادية، والمحتوى الذي يتعارض مع القوانين العامة، والمعلومات غير المؤكدة التي قد تضر بالاقتصاد الوطني. هذه العبارات، من دون تعريفات محددة وواضحة، يمكن أن تتحول إلى مظلة تُحجب تحتها أي مناقشة تتعلق بالسياسات الاقتصادية أو الفساد أو أداء المؤسسات الأمنية والعسكرية أو الخيارات السياسية الكبرى. هنا يصبح الخلط بين حماية الأمن الوطني وبين حماية السلطة من النقد خطراً حقيقياً. فالنقد السياسي أو الاقتصادي، مهما كان حاداً، هو جزء من حق المجتمع في مساءلة السلطة، بينما التحريض المنظم الهادف إلى الإضرار بالبلد شيء آخر تماماً. غياب الحدود بين الاثنين يجعل مساحة النقاش العام تنكمش لصالح منطقة رمادية يمكن فيها تجريم أي رأي لا يرضي أصحاب القرار.

 

المستوى الثالث، والأكثر خطورة، يتعلق بالمفاهيم شديدة الغموض مثل "الآداب العامة والنظام الأخلاقي والإساءة إلى الأديان السماوية والرموز الدينية". في مجتمع متنوع ومنقسم سياسياً ومذهبياً، ومع مؤسسات دينية واجتماعية تقليدية، يمكن لمثل هذه العبارات أن تُستخدم لقمع أي خطاب فكري أو فني أو إصلاحي تحت ذريعة حماية الأخلاق أو الدين. وفي المقابل لا تُستخدم بالقدر نفسه لحماية الفئات الضعيفة من خطاب الكراهية أو التنمر الاجتماعي. كذلك، فإن تجريم "الأخبار الكاذبة والمحتوى المضلل" بصياغة عامة يفتح الباب أمام معاقبة الصحافة الاستقصائية أو المبلّغين عن الفساد، بحجة أن معلوماتهم "غير مؤكدة"، بينما دور الصحافة في الأصل هو كشف المعلومات ودفع المؤسسات نحو الشفافية، لا انتظار موافقتها قبل النشر.

إحدى الإشكاليات البنيوية في هذه المحظورات أنها لم تصدر كقانون ناقشه ممثلون منتخبون ومرّ عبر مسار تشريعي علني، بل كتعليمات إدارية من جهة تنفيذية هي وزارة الإعلام. وهذا يعني أن الجهة التي تضع القواعد هي نفسها التي تطبقها وربما تعاقب مخالفيها، في غياب قضاء مستقل يراجع القرارات أو يتيح الطعن فيها. 

 

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن تنظيم النشر في وسائل التواصل الاجتماعي في الدول التي تحترم نفسها لا يُترك لقرارات وتعاميم إدارية، بل يخضع حصراً لقوانين واضحة يقرّها البرلمان وتُطبّق عبر قضاء مستقل. أما المنصات نفسها، مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب، فلها سياسات استخدام خاصة تشكّل جزءاً من العقد بينها وبين المستخدمين، لكنها لا تحلّ محل القانون ولا تُستخدم لتقييد النقد السياسي أو النقاش العام. وتُستكمل هذه المنظومة بمواثيق شرف إعلامية تضعها المؤسسات الصحفية طوعاً، لا الحكومة، وتهدف إلى رفع مستوى الممارسة المهنية لا إلى فرض عقوبات أو ضبط سياسي. هذا النموذج يختلف جذرياً عن الحالة السورية، حيث تصدر "المحظورات" بقرار من جهة تنفيذية تجمع بين سلطة وضع القواعد وسلطة تطبيقها، ما يجعلها أقرب إلى أدوات ضبط وسيطرة منها إلى قواعد تنظيمية مهنية.

 

الخطر لا يتوقف عند النصوص، بل يمتد إلى التطبيق العملي. فمن جهة، تدفع هذه المحظورات إلى الرقابة الذاتية، حيث يتجنب الصحافيون والكتّاب والمواطنون تناول أي موضوع حساس خشية الوقوع تحت طائلة إحدى العبارات المطاطة. ومن جهة أخرى، يبرز خطر الانتقائية، إذ يمكن التساهل مع خطاب تحريضي يخدم السلطة، بينما تُشدّد العقوبات على خطاب نقدي أو معارض. هكذا يتحول النص من أداة لحماية المجتمع إلى غطاء شكلي لتقييد فئة معينة من الأصوات.

باختصار، أي ضوابط على النشر يجب أن تقوم على مبدأ التوازن: حماية المجتمع من العنف والكراهية والفوضى المعلوماتية، وحماية حق الأفراد في التعبير والنقد والمساءلة. ولتحقيق هذا التوازن، لا بد من إعادة صياغة المحظورات بلغة قانونية وواضحة، وتعريف واضح للمفاهيم المثيرة للجدل، وحصر "الأسرار العسكرية" بما يسبب ضرراً فعلياً، ووضع استثناءات تحمي الصحافة الاستقصائية، وإنشاء هيئة مستقلة للنظر في النزاعات، واعتماد مبدأ التدرج في العقوبات. بهذه الشروط فقط يمكن للضوابط أن تتحول من أداة للسيطرة إلى إطار يحمي نقاشاً عاماً حراً ومسؤولاً في آن واحد.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث