لا يمكن مقاربة أي اتفاق بين دولتين يمسّ جوهر السيادة الوطنية، بمعزل عن القواعد العليا التي تحكم النظام القانوني الدولي، وفي مقدّمها المبادئ الآمرة (Jus Cogens) وحق الشعوب في تقرير مصيرها، فضلاً عن الحق غير القابل للتصرف في اللجوء إلى القضاء الدولي.
وفي هذا السياق، وبغض النظر عن الجدل حول البنود الأخرى الواردة في اتفاق الإطار الذي وقعته السلطة السياسية اللبنانية مع إسرائيل برعية أميركية، إن البندين (2) و(13) من النص يثيران إشكاليات قانونية عميقة، تتجاوز الإطار التفاوضي لتلامس حدود عدم المشروعية الدولية.
أولاً: البند الثاني: انتهاك لحق تقرير المصير وسيادة الدولة
يقوم البند (2) على معادلة مفادها: إن انسحاب القوة الأجنبية (إسرائيل) مشروط بتحقق ترتيبات داخلية لبنانية، وعلى رأسها نزع سلاح جهات غير حكومية، ومرتبط بتقييم إسرائيل للتهديدات.
إن هذا النص يتعارض مباشرة مع مبدأ مستقر في القانون الدولي، وهو عدم جواز ربط إنهاء الاحتلال أو الانسحاب من أراضي دولة ذات سيادة بأي شروط داخلية تتعلق ببنية تلك الدولة.
فالانسحاب من أرض محتلة، وفقاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة هو واجب قانوني غير مشروط، وليس موضوع تفاوض تبادلي أو مقايضة سياسية، وعليه إن النص يمس بأحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي وهو "حق الشعوب في تقرير مصيرها".
يُعدّ حق تقرير المصير من المبادئ الآمرة في القانون الدولي، كما أكدت على ذلك الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية في عدة آراء استشارية، وهذا ما يؤكد أن وجود احتلال في دولة ما، يشرّع حق الشعب في مقاومة الاحتلال والعمل على طرد الاستعمار أو الاحتلال وتحقيق الاستقلال.
ويتفرع عن هذا الحق أن الشعب وحده يحدد نظامه السياسي والأمني الداخلي، من دون تدخل أو اشتراط خارجي، اذ يُعتبر مبدأ عدم التدخل من ركائز القانون الدولي العرفي. بخلاف ذلك، يُدخل البند المذكور أطرافاً خارجية (الولايات المتحدة وإسرائيل)، كجهات مقيمة ولها الحق بتحديد موجبات السيادة اللبنانية.
يضاف إلى ما سبق، أن البند يمس بطبيعة السيادة كوحدة غير قابلة للتجزئة. إن السيادة في الفقه القانوني الدولي هي مطلقة وغير قابلة للتدرج التجريبي أو المرحلي. وهذا ما يتناقض مع البند 2 الذي يحوّل السيادة اللبنانية إلى حالة وظيفية خاضعة للاختبار الدولي، لا حقاً أصيلاً للدولة.
ثانياً: البند الثالث عشر وإلغاء حق التقاضي الدولي
ينص البند (13) على "وقف جميع الأعمال العدائية أو المناوئة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية".
هذا يتضمن عملياً منع لبنان من الشكوى ضد إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية أو أي وسيلة تقاضي أخرى، كذلك منع لبنان من اللجوء إلى مجلس الأمن والجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية.
مع العلم أن الحق في التقاضي الدولي هو حق غير قابل للتصرف، اذ إن اللجوء إلى القضاء الدولي يعد امتداداً لسيادة الدولة، وتجسيداً لمبدأ حل النزاعات بالوسائل السلمية بموجب المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة. وعليه، إن حرمان دولة من هذا الحق أو تقييده يشكّل انتقاصاً من شخصيتها القانونية الدولية.
مع العلم أنه لا يحقّ للدول التنازل عن حقها في ملاحقة أو مقاضاة دولة أخرى أو رعاياها عند ارتكاب "جرائم حرب" أو "جرائم ضد الإنسانية". تنص اتفاقيات جنيف الأربعة على أنه يحظر على الدول إعفاء نفسها أو غيرها من المسؤولية عن الانتهاكات الجسيمة (جرائم الحرب). وتنصّ الاتفاقيات صراحةً على أنه: "لا يجوز لأي طرف متعاقد أن يعفي نفسه أو أي طرف متعاقد آخر من المسؤوليات التي تقع عليه أو على طرف آخر بسبب الانتهاكات".
في النتيجة، ووفق اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969)، إن أي اتفاق يخالف قاعدة آمرة من القانون الدولي يُعدّ باطلاً بطلاناً مطلقاً.
تنص المادة 53 من اتفاقية فيينا على أن "المعاهدة تكون باطلة إذا تعارضت عند إبرامها مع قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام". وبالتالي، إن منع شعب من ممارسة حقه في تقرير مصيره، والتخلص من الاحتلال أو الاستعمار، أو منع دولة من اللجوء إلى القضاء الدولي، أو يقيد هذا الحق، يُعدّ متعارضاً مع قواعد آمرة أو قواعد أساسية، وبالتالي فاقداً للمشروعية القانونية.
وبالنظر إلى أن البندين (2) و(13) نجدهما يمسّان مباشرة بالسيادة، وتقرير المصير، والحق في التقاضي وهي جميعها حقوق محمية لا يجوز الاتفاق على خلافها، حتى برضا الدول.
وعليه، إن القراءة القانونية تكشف أن إشكالية "اتفاق الإطار" لا تكمن فقط في المضمون السياسي الذي يتنازع عليه اللبنانيون، بل في تعارض البندين البنيوي مع قواعد القانون الدولي، إذ إن ربط الانسحاب بشروط داخلية يمسّ صميم حق تقرير المصير، كما أن تقييد اللجوء إلى القضاء الدولي يفرغ السيادة من مضمونها القانوني.
ومن هنا، فإن أي مقاربة جدية لمثل هذا النص يجب أن تنطلق من مبدأ بسيط لكنه حاسم، مفاده: ليست كل الاتفاقات الدولية مشروعة، حتى لو وقعتها الدول، إذا تعارضت مع المبادئ الآمرة التي تشكّل الأساس القانوني للنظام الدولي.




