حين عقد أول لقاء مباشر بين اللبنانيين والإسرائيليين في واشنطن أواسط نيسان/أبريل المنصرم، كتب أحد المستشرقين الروس المتخصص بالشؤون اللبنانية يقول إن اللقاء يعني أن قرار بيروت المشاركة في المفاوضات يشير إلى انخفاض نفوذ حزب الله. وحينها نقل موقع theins الروسي المستقل في 16 نيسان/أبريل عن المستشرق مكسيم جابكو قوله إن السلطات اللبنانية معنية بالفعل في نزع سلاح حزب الله، لكنها تخشى القيام بذلك بالقوة، خشية أن يؤدي ذلك إلى حرب أهلية.
بين الجولة الأولى من المفاوضات والجولة الخامسة، مضى أكثر من شهرين بقليل، غادرت خلالهما السلطات اللبنانية خشيتها، واتخذت قراراً تاريخياً، غادر لبنان بموجبه أكثر من نصف قرن من مصادرة قراره السيادي المستقل من مختلف تجار "المقاومة" ضد إسرائيل. مدة شهرين حفلت بالقتل والتهجير والتدمير ومحو قرى لبنانية عن وجه الأرض، وضعت السلطات اللبنانية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما تحمل مسؤوليتها التاريخية والدفاع عن وجود لبنان السيد المستقل، وإما الإستسلام لآخر تجار "المقاومة"، حزب الله الإيراني، وبقاء لبنان ورقة إيرانية تفاوض بها وعليها مع الأميركيين والإسرائيليين.
إبتهاج اللبنانيين بقرار سلطاتهم التوقيع على اتفاق الإطار مع إسرائيل، تعززه تدابير الجيش اللبناني الحازمة في مواجهة مجموعات حزب الله وقمع مظاهراتهم وانتزاع ملصقاتهم "شكراً إيران" واستبدالها بملصقات "لبنان أولاً". وتتعزز ثقتهم بأن بلدهم تمكن أخيراً من الإفلات من قبضة آخر تجار "المقاومة"، والإلتحاق بركب الدول الشقيقة التي اعترفت، وعلى مدى مراحل تاريخية متفاوتة، بعجز واقعها الاقتصادي والإجتماعي عن تحمل عبء المواجهة مع إسرائيل المدعومة أميركياً. واضطر لبنان الصغير إلى ما اضطرت إليه الدول الشقيقة الكبرى من توقيع اتفاقيات الاعتراف بإسرائيل، والتوقف عن هدر فرص التطور والتقدم وتكبد الخسائر البشرية والعمرانية في مجال لا طائل منه في الظروف الراهنة.
يدرك اللبنانيون أن إيران وفصيلها اللبناني، حزب الله، لن يتخليا عن الورقة اللبنانية بمجرد التوقيع على الاتفاق الإطار مع إسرائيل. فما زالت طهران تعقد الآمال على ما حققته في مذكرة التفاهم مع الأميركيين، وتعتقد أن ذلك كفيل بإعادة إمساكها بهذه الورقة. وهي على ثقة بأن اللبنانيين يغالون بالإبتهاج بالانعتاق من قبضتها التي أحكمت إمساكها بأعناقهم على مدى عقود، بنت خلالها دولة رديفة متكاملة الأوصاف على أنقاض الدولة اللبنانية، التي دمرتها ولم تبق منها سوى أشلاء متفرقة.
لكن اللبنانيين يدركون أيضاً أن الإمكانية التي أتاحها لهم الاتفاق الإطار مع إسرائيل هي الفرصة الأخيرة لاستعادة لبنان ودولته. فلبنان الذي لم يتمكن من الصمود في وجه إيران وفصيلها اللبناني، لن يتمكن من الصمود في وجه إسرائيل التي تتربص بكل تفاصيل بنود الاتفاق الإطار الأربعة عشر. واللبنانيون يتذكرون أن الدعوات اللبنانية الأولى للتفاوض، تجاهلتها إسرائيل كلياً، بل وسخرت من دولة تدعو للتفاوض وهي لا تستطيع بسط نفوذها على أراضيها. ولم تلفت تل أبيب إلى الدعوة للتفاوض، إلا بعد أن صدرت من الرئيس الأميركي، والتي لا تتمكن إسرائيل من تجاهلها. ونتنياهو الذي لن ينسى كيف حظر ترامب قصفه لبيروت وضاحيتها الجنوبية، وكيف أوقف مخططاته العسكرية في حنوب لبنان، لن يتساهل في تطبيق بنود الاتفاق الأربعة عشر، وإن اعتبره إنجازاً تاريخياً لإسرائيل.
الإعلام الإسرائيلي ينقب في تفاصيل بنود الاتفاق، باحثاً عن ما لإسرائيل وما عليها في الاتفاق.
موقع يديعوت أحرونوت الناطق بالروسية vesty نشر في 28 الجاري نصاً عنونه بالقول " نصرٌ كامل أم مجرد خدعة: ما الذي يخفيه الاتفاق مع لبنان؟".
استهل الخبير في شؤون المخابرات والصحافي البارز في الصحيفة رونين برغمان (Ronen Bergman) نصه بالقول إن الاتفاقية مع حكومة لبنان، هي بكل الأحوال، تطور إيجابي: إذ بالنسبة للبنان وإسرائيل من الأفضل وجود اتفاق بدلاً من عدم وجوده. والوثيقة تكرر العديد من التصريحات التي يدلى بها كلا الجانبين. ما تكرره إسرائيل، على سبيل المثال، أن ليس في نيتها احتلال جزء من لبنان، وأن حزب الله والحاجة لتوفير الأمن للشمال الإسرائيلي هما سبب وجود إسرائيل في جنوب لبنان. وهذا موجه لأولئك في العالم الذين يخشون، وليس من دون سبب، أن بن غفير أو سموتريتش يهددان ببناء مستوطنة "مآل ــ شقيف".
أما ما يكرره اللبنانيون فهو، على سبيل المثال، أن دولة لبنان وحكومته يسعيان للتعايش مع إسرائيل كجيران مسالمين. والأهم هو أن الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني مسؤولان عن الدفاع عن الأراضي اللبنانية وسيادتها، "وهما فقط وليس حزب الله".
يقارن الكاتب بين اتفاق الطائف والاتفاق الإطار، ويرى أن روحية اتفاق الطائف لم تعد موجودة، والحكومة اللبنانية عازمة الآن على محاولة تجريد حزب الله من سلاحه، "لكن السؤال في ما إذا كانت المحاولة ستتكلل بالنجاح". وأول المشككين بنجاح التجربة هو نتنياهو الذي سارع إلى نشر شريط فيديو رأى فيه أنه تم توجيه ضربة شديدة لإيران باستبعادها عن لجنة المراقبة لثلاثية. وقال أن منطقتي التجربة تم التخلي عنهما للجيش اللبناني بموجب توجيه من الجيش الإسرائيلي. ويرى الكاتب أن نتياهو يهيئ بذلك الطرف الذي قد يحمله المسؤولية في حال فشل الاتفاق.
رأى الكاتب أن مشكلة الاتفاق ليست في ما يتضمنه، بل في ما يغب عنه. ويعدد بضع نقاط لا يشملها الاتفاق، قد يكون أهمها: أولاً، لا يقدم جدولاً زمنياً لإنجاز العملية بأكملها أو حتى لتقدمها. وتغيب عن الاتفاق المواعيد كلياً. ثانياً، لا يحتوي على عبارة "وقف إطلاق النار" ولا يذكر وقف إطلاق النار الذي فرضه ترامب على إسرائيل.
الموقع الإسرائيلي الآخر الناطق بالروسية israelinfo نشر في 27 الجاري نصاً عنونه بالقول "نكون أو لا نكون في لبنان، ذلك هو السؤال".
رأى الموقع أن البند الثاني في الاتفاق هو أحد أهم بنوده، حيث يوفر تسلسلاً في العمليات: أولاً نزع سلاح حزب الله، ومن ثم إنسحاب الجيش الإسرائيلي، "ليس العكس ولا بشكل متزامن". والتفاصيل ينبغي توضيحها في ملحق أمني منفصل.
البند الثالث يوضح آلية بدء العملية. ويجري إنشاء منطقتين تجريبيتين، واحدة شمال نهر الليطاني والأخرى جنوبه. وسيتولى الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية في هاتين المنطقتين، بينما سينسحب الجيش الإسرائيلي. لكن ثمة شرطاً هنا: لن يتمكن الجيش اللبناني من السيطرة الكاملة على المنطقتين إلا "بعد التأكد من نجاح نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك بنيتها التحتية في هذه المناطق". وسيتولى الأميركيون التحقق من نجاح عملية نزع السلاح.
يتوقف الموقع عند البند السابع، ويرى أنه كُتب خصيصاً لإيران. يقول البند بأن الطرفين يؤكدان حق الدفاع عن النفس بموجب ميثاق الأمم المتحدة، ويوضحان بأنه "لا يجوز لأي طرف ثالث ممارسة هذا الحق نيابة عنهما". ويتولى الموقع، كما يقول، ترجمة النص من اللغة الدبلوماسية إلى لغة الواقع ليصبح على النحو التالي: لا يحق لإيران ولا لأي جهة أخرى القتال من أجل لبنان أو اتخاذ أي قرارات تتعلق بالحرب والسلام نيابة عنه.
يقول الموقع إن البند الخامس كتب للجيش الإسرائيلي، حيث ينص على أن القتال في لبنان قد يكون "نتيجة مباشرة لهجمات وتهديدات ونوايا عدائية" من جانب حزب الله. وبمجرد زوال هذا التهديد بنزع السلاح الكامل، ستنتفي ضرورة وجود الجيش الإسرائيلي.




