في ظلّ التحديات الأمنية والانتهاكات الإسرائيلية المتكرّرة التي يتعرّض لها لبنان، تبرز مسألة المساءلة عن الجرائم الدولية الكبرى كأولوية وطنية. وتؤكّد التجارب الدولية أنّ غياب المساءلة يكرّس الإفلات من العقاب ويُضعف الثقة بالدولة، فيما يشكّل اللجوء إلى آليات العدالة الدولية وسيلة فعّالة لتعزيز الحماية القانونية.
تُظهر الوقائع الموثّقة منذ العام 2024 وجود معطيات جدية ومؤشرات واضحة على ارتكاب إسرائيل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إلى جانب عناصر تستوجب فحص احتمال توافر جريمة الإبادة الجماعية.
أولاً: نمط واسع ومنهجي للهجمات ضد المدنيين
تفيد تقارير صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومنظمات دولية مستقلة بأن العمليات العسكرية الإسرائيلية لم تقتصر على أهداف عسكرية محددة، بل اتسمت بنمط متكرر من الاستهداف الذي أصاب المدنيين بشكل مباشر أو غير متناسب. وتشمل هذه الأفعال:
- ضرب مبانٍ سكنية ما أدى إلى مقتل عائلات بكاملها.
- استهداف متعمد لمدنيين من دون ضرورة عسكرية، بمن فيهم أطفال، وصحافيون وعاملون في القطاع الطبي.
في الإطار القانوني، يُعدّ استهداف المدنيين أو تنفيذ هجمات غير متناسبة خلال النزاعات المسلحة خرقاً جسيماً يندرج ضمن جرائم الحرب، وفق المادة الثامنة من نظام روما الأساسي. وعندما يتخذ هذا السلوك طابعاً واسع النطاق أو بشكل منهجي، فإنه يرتقي إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.
ثانياً: التهجير القسري والتدمير المنهجي
تشير المعطيات المتاحة إلى اعتماد إسرائيل سياسات ميدانية أدت إلى تغييرات ديموغرافية قسرية وتدمير واسع للبنية العمرانية، من أبرزها:
- تهجير ما يزيد عن مليون مواطن لبناني مدني من الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية.
- إصدار أوامر إخلاء جماعي شملت مناطق واسعة في لبنان، إضافة الى إنذارات بعدم العودة.
- تدمير أكثر من 11,000 مبنى، بما في ذلك مساكن ومنشآت مدنية، وفي حالات عدة بعد السيطرة على القرى.
ويُعدّ هذا النمط أيضاً من الأفعال التي تندرج ضمن جرائم الحرب. ومع اتساع نطاق هذه الأفعال وارتباطها بسياسات ممنهجة، فإنها تندرج أيضاً ضمن الجرائم ضد الإنسانية، وقد تُوصف بعض هذه الممارسات بما يشار إليه في الأدبيات القانونية والسياسية بمصطلح التطهير العرقي.
ثالثاً: في مسألة الإبادة الجماعية
تقتضي جريمة الإبادة الجماعية، وفق التعريف المعتمد دولياً، توافر عنصرين أساسيين:
- الركن المادي: ويتمثل في أفعال جسيمة مثل القتل، أو إلحاق أذى خطير، أو إخضاع الجماعة لظروف معيشية تؤدي إلى تدميرها.
- الركن المعنوي (النية): أي القصد الخاص لتدمير جماعة محمية كلياً أو جزئياً.
في ما يخص الركن المعنوي، لا يُستدل عليه من الأفعال وحدها، بل من مجمل السياق، بما في ذلك التصريحات الرسمية والسياسات المعلنة. وفي هذا الإطار، تبرز تصريحات صادرة عن مسؤولين حكوميين إسرائيليين تتضمن دعوات لاستخدام قوة غير مقيّدة، وخطاباً ذا طابع شامل يعكس اتجاهاً نحو العقاب الجماعي.
وتتضمن هذه التصريحات مضامين تدعو إلى إلحاق ضرر واسع بلبنان وسكانه، وتربط بين فئة دينية محددة والسياسات العسكرية المتبعة، بما يشمل الإقصاء ومنع العودة بشكل نهائي والدعوة الى استئصال اللبنانيين. من الناحية القانونية، يمكن لهذه الخطابات أن تُستخدم كقرائن على توافر النية الخاصة، إذا ما تم ربطها بسياق الأفعال المادية المرتكبة على الأرض.
استناداً إلى المعطيات المتوافرة وما ارتكبته إسرائيل في لبنان، يمكن القول إن هناك أساساً قانونياً معقولاً للاعتقاد بوقوع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في لبنان منذ العام 2024. كما أن تلاقي الجرائم واسعة النطاق مع الخطاب السياسي المعلن يثير مسألة جدية تتعلق بإمكانية توافر عناصر جريمة الإبادة الجماعية، وهي مسألة تستدعي تحقيقاً دولياً مستقلاً لتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية وفق المعايير المعتمدة في القانون الجنائي الدولي.
ماذا يمكن للحكومة اللبنانية أن تفعل؟
من أحد أبرز الخيارات التي يمكن للدولة اللبنانية اللجوء إليها، هي استخدام المادة 12 من نظام روما الأساسي، والتي تنص على أنّه يجوز لدولة غير طرف أن تقبل اختصاص المحكمة عبر إعلان رسمي. ويترتب على هذا القبول تمكين المحكمة من التحقيق والنظر في الجرائم الدولية المرتكبة على الأراضي اللبنانية، بصرف النظر عن جنسية المشتبه بهم، مع إمكانية تحديد نطاق الاختصاص بدقة من حيث الفترة الزمنية أو موضوع النزاع.
هذا الخيار يتيح للبنان منح المحكمة اختصاصاً محدّداً، يشمل جرائم ارتُكبت خلال فترة زمنية معيّنة (مثل فترة نزاع أو تصعيد)، بما يتيح ملاحقة الانتهاكات المنسوبة إلى إسرائيل، دون الالتزام بعضوية كاملة.
أهمية الخيار المقترح للبنان
إن فتح المجال أمام الملاحقة الدولية لا يقتصر على محاسبة الجرائم المرتكبة، بل يساهم في الردع الوقائي، إذ يشكّل وجود تهديد فعلي بالملاحقة عاملاً ضاغطاً للحد من الانتهاكات مستقبلاً، لا سيّما تلك التي تستهدف المدنيين والصحافيين والأطقم الطبية والبنى التحتية.
يوجّه رسالة واضحة إلى الضحايا اللبنانيين بأن حقوقهم لا تُهمل، وهذا ما يساهم في تعزيز الثقة بالمؤسسات العامة.
يوفّر اختصاص المحكمة إطاراً مؤسسياً لتوثيق الجرائم بشكل مهني ومحايد، بما يساعد على بناء سجل قانوني يمكن الاستناد إليه مستقبلاً، لدعم أي مسارات قضائية لاحقة، وطنية أو دولية.




