شهدت بلدة "تل رفعت" هجوم محتجين على منازل عائدة لمَن يصفونهم بـ"فلول النظام السابق"، بعدما انقضت المهلة التي كان المحتجون قد أعطوها لهؤلاء كي يغادروا البلدة؛ غني عن الذكر أن المتهمين بكونهم فلولاً هم من أبناء البلدة. حسب الأخبار أيضاً، شهدت بلدة كفر تخاريم في ريف إدلب اقتحامَ بيوت على خلفية اتهام أصحابها بأنهم من فلول النظام السابق، مع أنباء غير مؤكّدة عن وقوع ضحايا.
أما مدينة حلب فقد شهد بعض أحيائها مظاهرات ضد الشبيحة القدامى من أبناء الأحياء نفسها، وقامت القناة الحكومية "الإخبارية السورية" بتغطية الاحتجاجات. في تقرير الإخبارية يتحدث أشخاص مشاركون في المظاهرة، فمثلاً يقول أحدهم: "أنا ابن شهيد وأخوة تنين شهداء، وصهري شهيد، آخر شهيد سقط عنا في العيلة من شهرين! نطالب بترحيل الشبيحة ومحاسبتهم محاسبة عادلة...". مشارك آخر في المظاهرة "من حي السكّري" يقول بوضوح أن لا مشكلة مع الشبيح الذي ليس برقبته دم، ولا تريد السلطة محاسبته، بشرط مغادرته الحي، ويوضّح المتظاهر أن مجرد وجود الشبيح يستفزه، من دون أن يفعل الأخير شيئاً. هذا المتظاهر يقول إنه من جماعة السلم الأهلي.
لم ترِد تفاصيل من جهات مستقلة عمّا حدث في كفر تخاريم، إلا أن وزارة الداخلية أصدت بياناً قالت فيه إنها "تتابع باهتمام بالغ ما يشهده بعض المناطق في محافظة إدلب من توترات على خلفية مطالبات شعبية بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت بحق السوريين خلال سنوات حكم النظام البائد". بيان الوزارة يؤكد في النهاية على "أن حقوق الضحايا لن تضيع، وأن جميع القضايا والملفّات الموثقة ستُتابع وفق الأصول القانونية، بما يضمن محاسبة المجرمين وإنصاف المتضررين بعيداً عن الفوضى أو الثأر الفردي. إن بناء دولة العدالة وسيادة القانون يتطلب الاحتكام إلى المؤسسات المختصة والثقة بإجراءاتها، والتكاتف للحفاظ على الأمن والاستقرار ومنع أي محاولات لجرّ البلد إلى فوضى لا تُحمد عقباها".
ما ورد في بيان الداخلية أفضل وأنضج من سلوك الإخبارية السورية التي أعطت المايكرفون لمتظاهرين يطالبون بما لا حقّ لهم به قانوناً، أي ترحيل "شبيحة" غير متورّطين في الدماء، واعتبار الحي ما يشبه ملكية خاصة يستطيع بعض أبنائه تقرير مَن يسكن فيه خارج ما يقرره القانون، وهو ما حدث أيضاً في تل رفعت. كان حريّاً بالإخبارية، إذا شاءت نقل الواقع كما هو، تقديم مطالعة قانونية لمختصٍّ بحيث لا يكون نشر التقرير ترويجاً لما يتجاوز القانون.
الجيد، مؤقتاً، تلك الأصوات التي راحت تردد ما يتناغم مع بيان وزارة الداخلية، لجهة رفض أعمال الانتقام الفردية، وتغليب السلم الأهلي مع الاحتكام إلى المؤسسات المختصة. البعض من جماعة السلطة راح يفصّل في أثر الاحتجاجات وأعمال الثأر، حيث ستجر البلد إلى الفوضى التي ستعيق دخول الاستثمارات إلى البلد، وستؤثّر تالياً على المعيشة وإعادة الإعمار... إلخ. في المجمل راحت هذه الأصوات تردد ما كان يقوله "السُنّة الكيوت" في مناسبات سابقة، وكانت هذه الأصوات ذاتها تتصدى لهم بدعوى حق الناس بالانتقام، وتسخر منهم بتسميتهم "سُنّة كيوت".
ليكون الأمر أوضح، كأن الطائفيين الذين لطالما رفضوا أي كلام غير طائفي انقلب منطوقهم ليتبنّوا ما كان يُقال، والتفسير الأقرب إلى المتناول أنهم الآن يواجهون ظاهرة الشبيحة القدامى من السُنّة، لا من العلويين أو من أية جماعة أخرى. أي أن الانتماء المذهبي للشبيحة الذين يحتج الأهالي عليهم لا يتيح لهؤلاء ممارسة رياضتهم الطائفية المفضَّلة، والاقتتال أو الشقاق ضمن السُنّة يدحض صفاء البلوكات الطائفية التي يسعون إلى تعزيزها.
ورغم إدراكنا للازدواجية التي يتعاطى بها الطائفيون، ومعرفتنا بافتقار مواقفهم الأخيرة إلى المبدئية، إلا أن المبررات التي يسوقونها الآن (وكانوا يرفضونها من قبل) جديرة بالانتباه، وبأن يفكّر فيها كثر ممن ينطلي عليهم الخطاب الطائفي أو يستهدفهم. فالسلم الأهلي ليس مقولة يرفعها "سُنّة كيوت" على سبيل الرهافة، بل لما لهذا السلم من أثر أمني إيجابي على الجميع، ولما له من أثر إيجابي على الاستقرار الذي يحسّن شروط المعيشة للجميع، ومع التحسّن تتراجع عوامل الجريمة والانفلات الأمني.
مطلب العدالة الانتقالية أيضاً لا يرفعه السُنة الكيوت تغنّياً بها، بل لأن تجريم أي شخص لا يجوز أن يُترك لمن هبّ ودبّ؛ التجريم يُفترض أن تقوم به محاكم لها حدّ أدنى من الصدقية، ووفق نصوص قانونية وإجراءات قضائية أصولاً. التجريم لا يقوم به المجتمع، ولا مجموعات منه، فحدوث هذا يعني بالضبط إجهازاً على فكرة الدولة. في ظروف إيجابية، واستثنائية معاً، يحدث التعاون بين المجتمع والمؤسسات المختصة من أجل العدالة والسلم الأهلي، وهذه قاعدة يُفترض ألا تستثني أي مجتمع من المجتمعات، وإلا تكون قد اخترقت منذ البداية مطلب العدالة وعموميتها.
بعد أيام من موجة طائفية، وجدل رافقها، قد يكون من الجيد والإيجابي أن تأتي تلك الاحتجاجات من خارج الاصطفافات الطائفية، وأن تضيء على جانب أساسي من استحقاقات تتجاوز القسمةَ التي يسعى لتعزيزها طائفيون. أيضاً "الطائفيون الكيوت"، إذا استخدمنا تعبيرهم، سيكون من الجيد أن يتحلّوا بالمبدئية في تعاطيهم مع استحقاقات العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، وأثرهما على مجمل الأوضاع في سوريا، وفي مقدمها الأوضاع المعيشية. ليت هؤلاء يكونون "كيوت" على طول الخط، وبلا سخرية من التعبير، لأن سوريا ومعيشة السوريين بحاجة إلى قليل من رأفتهم، وإلى القليل من العقلانية التي تغلّب المصالح والعدالة معاً على الغرائز.
نشير، على صعيد متصل، إلى أنها سابقة تصدر فيها وزارة الداخلية مثل هذا البيان، مع أن الأوضاع في مناطق أخرى شهدت أعمال انتقام طائفية كانت تستدعي (على الأقل) توضيحاً رادعاً من الوزارة، بحيث لا يتعدى أحد باسم الثأر على ما يُفترض أنها صلاحياتها مع وزارة العدل. أيضاً ستكون هذه السابقة محمودة متى تبيّنَ أنها تؤسس حقاً لنهج جديد، غير انتقائي وغير طائفي، لعل البدء ببيان يخص إدلب يرسل إشارة غير ما صار رائجاً لجهة خصوصيتها واستثنائها.
يمكن للاحتجاجات التي حدثت في حلب وإدلب أن تفتح نقاشاً جاداً، إذا كانت النوايا سليمة. فهناك بعض المطالب المحقّة للمتظاهرين، لكن هناك مطالب خارج القانون، والتوعية ضد الأخيرة هي التي ترسم الحدود المجتمعية للعدالة وللسلم المجتمعي معاً. ومخاطبة المجتمع بلغة مصالحه هي الأولى دائماً، إذا تواضعنا على أن السياسة هي فن إدارة المصالح، لا إهدارها وإهدار المشتركات بين السوريين بعدمية طائفية تتقنّع بالسياسة وتزعم نصرتها للحق. بالسياسة قد تتحول المحنة إلى فرصة، وبغيابها من المؤكد أن تتحول الفرصة إلى محنة.




