سلام ترامب الإيراني دونه الكثير من الشكوك

بسام مقدادالثلاثاء 2026/06/16
احتفال بانتهاء الحرب الأميركية الإيرانية (Getty)
تبقى إسرائيل العامل الأهم في زيادة الشكوك بالسلام (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يفلح الإيرانيون في الحؤول دون أن يحتفل ترامب بعيد ميلاده الثمانين بالصفقة التي عقدها معهم لإنهاء الحرب. فقد تقصدوا عدم الإعلان عن موافقتهم على الصفقة قبل منتصف ليل الأحد الإثنين كي لا يمنحوا ترامب فرصة التباهي "بإنهاء" الحرب في عيد ميلاده. لكن الفارق في التوقيت بين الشرق الأوسط وأميركا الشمالية قد خذلهم، إذ جاء إعلانهم في إيران التوصل إلى الصفقة، وكان لا يزال في بداياته الاحتفال بعيد الميلاد في حديقة البيت الأبيض.

إيلاء الإيرانيين الاهتمام بهذه التفاصيل، أقل ما يقال فيه، أنه بدا مستغرباً، سيما أنهم لم يعتبروه تفصيلاً، بل حرصوا على أن يكون بين أبرز الأخبار عن الصفقة. ولم يكن الشعب الإيراني وحده من يحبس أنفاسه وهو يتتبع لحظة بلحظة طيلة مساء الأحد الإثنين أنباء الصفقة في وسائل الإعلام، بل كان أبناء المنطقة بأسرها والعالم يحبسون أنفاسهم وهم يتابعون هذه الأنباء. وشتان بين من يتابع لمعرفة تقلب مستوى أسعار المحروقات، وبين من يتابع لمعرفة تقلب مصيره بين الحياة والموت. 

 

بعد 38 جولة من الإعلان عن توصل إلى مذكرة تفاهم متبادل بين الأميركيين والإيرانيين بشأن إنهاء الحرب ومن ثم فشل هذه الجولات، لم يعد من مكان للتفاصيل لدى الطرفين. فالمفاوضات تجري على أدق "التفاصيل" وأصغرها منذ إعلان الهدنة في أواسط نيسان/أبريل المنصرم، ومن ثم تمديدها المتكرر على أمل التوصل إلى نهاية إيجابية في نهاية كل جولة. 

وخلال هذه الجولات كانت تحتدم داخل النظام الإيراني عمليات "ترتيب شؤون البيت" الداخلية بعد أن فقد الصفوف العليا من قياداته منذ الأيام الأولى للحرب. ومع كل مشروع "مذكرة تفاهم" جديدة مع الأميركيين كان يشتد الصراع بين قيادة الحرس الثوري الذي قبض على مقاليد السلطة في البلاد، وبين ما يسمى بالمعتدلين حتى الخارجين من صفوفه أمثال محمد باقر قاليباف. وعشية الجولة الأخيرة 39 هذه التي أسفرت عن الاتفاق الراهن، بلغ الخلاف بين أطراف القيادة الإيرانية حد اتهام من يتولى التفاوض مع الأميركيين بالخيانة. ولم يتوان الحرس الثوري والمتشددون من النزول باتهامات الخيانة إلى الشارع، ورفعها على اليافطات التي حملتها مظاهرات مؤيديهم التي دأبوا على تنظيمها منذ بداية الحرب. 

 

بين الإعلان عن مذكرة التفاهم المتبادل الجديدة أو الاتفاق الإطار والتوقيع عليه تفصلنا عدة أيام عن موعد التوقيع عليه الجمعة في 19 الجاري. وخلال هذه الأيام قد تتمخض الخلافات داخل النظام الإيراني عن ما يصعب توقعه. وعدا عن الخلافات، فإن جولات التفاهم 38 السابقة وفشلها بسبب التراجع  الإيراني عنها في أغلب الأحيان، قد شجع النظام الإيراني على التمادي في اعتماد لعبة تمديد الوقت، سيما وأنه بين الجولة والأخرى كانت نظرة الأميركيين وسواهم إلى هذا النظام ومقاربتهم للتعامل معه تتبدل. فمن نظام ضعيف أنهكته الخسائر التي ألحقتها به عمليات القصف الأميركي الإسرائيلي، تحول بعد إغلاق مضيق هرمز إلى نظام تسعى لإرضائه معظم دول العالم التي أطبق على اقتصادها إغلاق المضيق. وتلاشى تقريباً تهديد ترامب المتكرر بأساطيله وحصاره للموانئ الإيرانية، ووقف مرتبكاً حتى أمام عملية نزع الألغام التي زرعها الإيرانيون في مياه المضيق. 

الخسائر وأساطيل ترامب كانت لتبث الخوف في أي نظام آخر طبيعي لا يعتنق أيديولوجية دينية تقدس الموت. لكن الأمر يختلف جذرياً بالنسبة لنظام ولي الفقيه ولأي نظام أيديولجي تسلطي آخر، فالخسائر المادية والبشرية، مهما عظمت، لا تدخل في حسابات الحروب التي يخوضها، والتي لا تهدف سوى للحفاظ على النظام بذاته وترسيخ دعائمه. 

 

إضافة إلى كل ذلك، تتزايد الشكوك حول مصير الاتفاق في الأيام الفاصلة حتى 19 الجاري، إذا أخذنا بالاعتبار أن النسختين المعلنتين من الطرفين لا تتطابقان. فالنسخة التي أعلنها الإيرانيون تتضمن مطالب وشروط يؤكد الأميركيون أن لا علم لهم بها. لكن إذا أخذنا بالاعتبار سعي الطرفين لعدم العودة إلى الحرب مجدداً، فمن المفترض أن يتفق الطرفان على نسخة واحدة يجري التفاوض عليها خلال الستين يوماً المقترحة لإنهاء المفاوضات، والتي يتوقع الكثيرون بأن يجري تمديدها لأسابع وشهور أخرى حتى يتيسر الخروج باتفاق نهائي على صيغة الصفقة النووية الإيرانية الجديدة التي يجهد ترامب، بل ويفاخر بأنها ستكون أفضل من صفقة أوباما العام 2015. 

وفي حين لم يكشف ترامب عن تفاصيل الصيغة التي تم التوافق عليها مع الإيرانيين للاتفاق الإطار، بل اقتصر الأمر على التسريبات التي تحتمل نفيها، نسبت وكالة الأنباء الروسية INTERFAX في 15 الجاري لوكالة مهرالإيرانية كشفها عن مضمون مشروع مذكرة التفاهم المتبادل مع الولايات المتحدة التي اقترحتها إيران.  

ومما جاء في الوثيقة التي نسبتها وكالة الأنباء الروسية لوكالة مهر أن الولايات المتحدة وحلفاءها يتعين عليهم تزويد إيران بمشروع إنعاش اقتصادي بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار.

 

على الرغم من ترحيب الحزب الجمهوري بما توافق عليه ترامب مع الإيرانيين، إلا أنه يواجه المزيد من التشكيك في قدرته على عقد صفقة نووية أفضل من الصفقة السابقة التي انسحب منها في العام 2018. فالرئيس السابق باراك أوباما أعرب عن شكوكه في ان يتمكن ترامب من عقد صفقة نووية أفضل من تلك التي عقدت في عهده. فقد نشر في 15 الجاري موقع Forbes الأميركي في طبعته الروسية نصاً عنونه بالقول "الاتفاق الأميركي الإيراني: هل سيكون السلام دائماً؟". 

نقل الموقع عن أوباما إعرابه عن الشكوك في أن تكون الصفقة المحتملة بين إدارة ترامب وإيران أفضل من الصفقة التي عقدت في عهده. وقال في مقابلة مع شبكة ABC الأميركية الإخبارية بأنه من غير المرجح أن يختلف الاتفاق الجديد اختلافاً جوهرياً عن خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) أو أن يتفوق عليها من حيث الفعالية. وغمز من قناة ترامب بإشارته إلى أن الصفقة السابقة بقيت تحقق أهدافها لفترة طويلة حتى قررت الولايات المتحدة الانسحاب منها.

 

تبقى إسرائيل العامل الأهم في زيادة الشكوك بالسلام الذي يعد به ترامب الشرق الأوسط من خلال الاتفاق الذي يقترحه مع الإيرانيين. فقد نقلت في 15 الجاري وكالة الأنباء الإسرائيلية الناطقة بالروسية أيضاً cursor عن صحيفة معاريف نصاً كتبه المقدم الإسرائيلي المتقاعد أميت ياغور (Amit Yagur). فقد أعرب المقدم عن قلقه البالغ إزاء التغيير في السياسة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب. وأعرب عن مخاوفه من أن تميل واشنطن نحو اتفاق إطاري مع إيران، على الرغم من أعمال الأخيرة العدائية ضد القيادة الأميركية والمصالح الإسرائيلية. ويرى ياغور أن أن المسار الأميركي الحالي يذكر بسياسات إدارة باراك أوباما، وهو ما يتعارض مع توقعات جزء كبير من ناخبي ترامب وموقف وزرائه الرئيسيين (وخصوصاً ماركو روبيو).

رأى العقيد الإسرائيلي أن على إسرائيل ألا تبقى مجرد مراقب سلبي، ويقترح اتخاذ الخطوات التالية: 

1- الدبلوماسية الفعالة في الكونغرس، إذ يجب على إسرائيل أن تتجاوز التواصل مع البيت الأبيض فقط و تنخرط في حوار مكثف مع أعضاء مجلس الشيوخ والوزراء الذين يشاركونها التوجهات نفسها.

2- إعلان استقلالية العمل، إذ يجب أن توضح إسرائيل أن أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لا يلزمها. 

3- الضغط العسكري السياسي، إذ على إسرائيل  مواصلة الجهود الرامية إلى تدمير "محور المقاومة" في لبنان والقضاء التام على فلول حماس.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث