إيرانيون عن دروس الحرب والاستراتيجيا

بسام مقدادالسبت 2026/06/13
طهران (Getty)
السلام الحقيقي شبه مستحيل (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

اتفاقية الإطار الأخيرة التي أعلن عنها ترامب  ليل الخميس- الجمعة، أظهرت أن عمليات القصف المتبادل بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، هي وسيلة تفاوض تجيد إيران استخدامها. فالقصف الإيراني الذي استهدف إسرائيل وبعض دول الخليج عشية إعلان ترامب عن الاتفاقية، أثبت ما رشح عن بنود هذه الاتفاقية أن إيران تمكنت من تحقيق أكثر من شرط من شروطها، التي اعتبرتها خطوطاً حمراء لا يمكن لأي توافق أن يتجاوزها. وفي حين اعتبرت إسرائيل الاتفاقية فور الإعلان عنها تقريباً مفاجئة، بقي إعلان إيران عن الموافقة عليها لغزاً صاغه ترامب بالقول "ثمة احتمال كبير بالموافقة (الإيرانية) عليها". ولم يتأخر الإيرانيون في نشر بنود اتفاق آخر تضمنت ما لا علم للأميركيين به، مثل التعهد بدفع مبلغ 300 مليار دولار لإعادة إعمار ما ما دمروه في إيران.

 

في 9 الجاري أحصت شبكة CNN عدد المرات التي أعلن فيها ترامب عن قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران، ثم كان يتراجع عن إعلانه مبرراً ذلك بالتعنت الإيراني. وإذا صح تبرير ترامب، تواصل تعنت إيران 37 مرة، كان يرفقه ترامب في كل مرة بتهديد إيران بأشد العواقب. ويبدو أنها ستكون المرة 38، إذا صح ما يشاع عن وجود نسختين للاتفاق. ويبدو أن مصير تهديدات ترامب هذه المرة لن يختلف عما كان عليه في المرات السابق. فلم ينفذ منها سوى عمليات قصف محدودة بعد إسقاط المروحية الأميركية وفي الرد على قصف القواعد الأميركية في بلدان خليجية، وكان يستعد لموجة قصف أخرى قبل ثلاث ساعات من إعلانه عن التوصل إلى الاتفاقية الحالية، حسب موقع يديعوت احرونوت بالروسية vesty في 12 الجاري. 

بدأ ترامب بتكرار إعلاناته عن قرب التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين بعد أقل من شهر من بداية الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران. ومنذ 23 آذار/ مارس المنصرم وهو يرفق إعلاناته مرات بالتهديد بأشد العواقب ومرات بالزعم أن الإيرانيين يتوقون للعودة إلى طاولة المفاوضات وعقد اتفاق مع واشنطن. في حين كان الإيرانيون ينفون في كل مرة مزاعم ترامب، ويعلنون إصرارهم على خطوطهم الحمراء، حسب مجموعة RBC الروسية في 9 الجاري. 

 

كان الإيرانيون يتركون نفيهم في كل مرة تائهاً بين دبلوماسية ما يسمى بالإصلاحيين وعنف لهجة الحرس الثوري. وبقي النفي الإيراني يتأرجح بين هذين "الفريقين" منذ المرة الأولى التي أعلن فيها ترامب عن مفاوضات "يتمناها" الإيرانيون. الثابت في كل المرات التي تكرر فيها النفي هو إصرار الإيرانيين على شروطهم، والتشدد الذي كان يتصاعد مع كل مرة يعلن فيها ترامب عن قرب الوصول إلى اتفاق معهم. شروط  الإيرانيين والتصاعد المستمر في تشددها كان يثير استغراب الأميركيين والكثيرين سواهم، ويعتبرونها شروط طرف منتصر، وليس مهزوماً.

وبعيداً عن مناقشة ما الذي يعتبره الإيرانيون نصراً، فإن إصرار الأميركيين على التفاوض معهم، رغم الرفض العلني المتكرر، جعل نظام الملالي يتمسك بشروطه وتزداد قناعته بعجز الأميركيين على تحقيق النصر عليه. 

 

جاء إعلان ترامب بالأمس عن التوصل إلى إتفاق إطار مع الإيرانيين ليزيد قناعة الملالي بنصرهم في الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، سيما أن ترامب ضمن إعلانه شرط اعتراف الملالي بنصره في الحرب عليهم. كما ازدادت قناعتهم بهذا النصر حقيقة ان إسرائيل تقبلت على مضض هذا الاتفاق، وأن ما رشح من بنوده أبقى للمفاوضات اللاحقة المسائل الأساسية بالنسبة لإسرائيل، والتي كان يصر الإيرانيون على إبقائها خارج الاتفاق الإطار، مثل تخصيب اليورانيوم والصواريخ البالستية والأذرع الإيرانية في المنطقة. 

الخبراء الإيرانيون المقيمون في الغرب لا يشارك معظمهم الملالي في مفهومهم للنصر، لكنهم يحاولون في النصوص التي ينشرونها في أهم المطبوعات الغربية فهم الأسباب التي جعلت الملالي يشعرون بهذا "النصر". كما يحاولون في نصوصهم استخلاص الدروس من حرب إدارة ترامب على نظام الملالي، والتي أدت إلى وقف الحرب عملياً قبل أقل من شهر من انطلاقها والاستعاضة عنها بعمليات قصف متقطعة تفرضها ضرورات التفاوض.

 

موقع INOSMI التابع لوكالة نوفوستي والمتخصص بترجمة نصوص الإعلام الأجنبي إلى الروسية، نقل في 6 الجاري عن Foreign Affairs نصاً كتبه الإختصاصيان من أصول إيرانية نرجس باجغلي وولي نصر ( Narges Bajoghli) و (Vali Nasr) تحدثا فيه عن "استراتيجية إيران الشاملة الجديدة". 

استهل الكاتبان نصهما المطول (حوالى 5000 كلمة) بالإشارة إلى حالة إيران المزرية بعد الأيام الأولى للهجوم الأميركي الإسرائيلي. وذكرا بتصريح ترامب في مطلع آذار/ مارس المنصرم الذي قال فيه "لقد سحقنا إمبراطوريتهم الشريرة بأكملها". كما ذكرا بتصريحه بعد عدة أسابيع من بداية الهجوم، حيث أعلن "نصراً كاملاً وغير مشروط".

لكن بعد مرور ثلاثة أشهر على الهجوم، رأى الكاتبان أن المشهد تغير جذرياً، إذ صمدت إيران، وحافظت على جيشها ومصانعها. ورغم دعوة ترامب للإيرانيين للإطاحة بالنظام، لا توجد أي بوادر لانتفاضة. وقد فشلت الخطة الأصلية للحرب، القضاء على الجمهورية الإسلامية بضربة واحدة.

 

يضيف الكاتبان بالقول إن الحرب خلقت إيران جديدة تمثل قوة ستعيد تشكيل الشرق الأوسط وتضع مساراً جديداً للجغرافيا السياسية للمنطقة لسنوات مقبلة.

يسترسل الكاتبان مطولاً في الحديث عن التغيرات التي احدثتها الحرب في نظام الملالي، وكيف انتقل من الدوغما الدينية إلى البراغماتية والتوجه القومي الإيراني. وينتهيان إلى القول بأن التحول من الدوغمائية إلى البراغماتية لا تجعل الجمهورية الإسلامية لاعباً غير قادر على الأذى. بل ستبقى الجمهورية الإسلامية الجديدة ذات نظام استبدادي عميق. لكن التصنيفات التي اعتاد المحللون الغربيون إلصاقها بفصائلها، المتشددون مقابل المعتدلين، وأصحاب الأيديولوجيات مقابل الإصلاحيين، ستفقد معناها في نهاية المطاف. وأولويات الجمهورية الإسلامية الجديدة وكيفية تحقيقها لن تتحدد بالأنماط القديمة، بل بالتجربة الملموسة لحربين مع إسرائيل والولايات المتحدة. ويرى الكاتبان أن الأولويات التي فرضتها الحرب على إيران  ويتحتم معالجتها: خسائر إيران، توطيد ثقة القيادة بنفسها والعقد الاجتماعي الجديد الذي جعلته الحرب ضرورياً وممكناً.

 

موقع realtribune نقل في 6 الجاري عن Foreign Affairs عينها رأياً  للخبيرمحمد آية اللهي طبار ( Mohammad Ayatollahi Tabar ) من أصول إيرانية (سبق ان اقتطفت "المدن" مقطعاً من رأيه). وضع الخبير لنصه في المطبوعة الأميركية عنواناً يقول "إيران تتبنى حرباً لا تنتهي"، وأرفقه بآخر ثانوي يقول "حسابات طهران الاستراتيجية الجديدة". 

أشار الخبير في نصه إلى أنه على الرغم من أن النخب الإيرانية متفقة على ضرورة مواجهة واشنطن، إلا أن هناك جدلاً حول الأساليب. يعتقد بعض السياسيين أن إيران كانت متحفظة للغاية في فترة ما بعد الهدنة، وأنه ينبغي عليها مهاجمة الجنود الأميركيين بشكل مباشر ومستمر. آخرون يصرون على حماية حزب الله في لبنان واستهداف المصالح الأميركية لإجبار الولايات المتحدة على كبح جماح إسرائيل.

يرى الخبير ان إيران تبنت نموذج واشنطن: أن تكون غير متوقعة، وأن تتفاوض فقط من موقع قوة، وأن تطالب بتنازلات كبيرة بينما تقدم القليل جداً من جانبها. والنتيجة هي لعبة محصلتها صفر، مما يجعل السلام الحقيقي شبه مستحيل.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث