هل يستخدم ترامب الهراوة السورية في لبنان؟

عمر قدورالثلاثاء 2026/06/09
قوات سورية عند الحدود مع لبنان (Getty)
نسبة كبيرة من السوريين يريدون الانتقام من حزب الله (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لوّح ترامب باستخدام الهراوة السورية ضد حزب الله في لبنان، وتصريحه يوم الأحد أتى واضحاً بقوله: "أريد أن تكون الهجمات على حزب الله أكثر دقة. يمكننا المساعدة في ذلك أو الاستعانة بسوريا، وأحمد الشرع سيسعد بالمساعدة". فالكلام أعلاه لا ينص فقط على إمكانية الاستعانة بسوريا، بل يزيد عليها بأن الاستعداد متوفر بسرور من جهة دمشق، وبما يوحي بأن السلطة هناك متحفّزة للقيام بالمهمة عندما يُطلب منها، وقد يكتسب هذا التلميح مغزى إضافياً مع الأخبار المتداولة عن زيارة قريبة للشرع إلى البيت الأبيض. 

 

قد لا يكون ترامب صادقاً، أو مستنداً في تصريحه على مشاورات مع السلطة في سوريا، ولا يُستبعد أصلاً أن يرى نفسه بغنى عن استشارتها، إذ لا يُعقل أن يُرفض طلبه من قبَل الشرع الذي امتدحه مرات عديدة. ومن المرجَّح أنه لم يستشر نتنياهو أيضاً، فتل أبيب لا تتعاطى حتى الآن مع الشرع بثقة كافية لقبول التحالف معه ضد الحزب في لبنان، فضلاً عن أن القوات الإسرائيلية تتحرك في سوريا من طرف واحد، مع إصرار معلن على قضم المزيد من الأراضي بذريعة الأمن.

لكن تفنيد تصريح ترامب، والقناعة واسعة الانتشار بخفة أقواله أو عدم جديتها، لا يكفيان لاحتساب تصريحه هذا كأنه لم يكن. فرضية التدخل السوري ضد الحزب في لبنان سبق أن طُرحت، والعودة إليها مجدداً تُبقي عليها كاحتمال وارد، وإن يكن في مرتبة متأخرة ضمن قائمة الاحتمالات. وتدنّي فرص اعتماد هذا الخيار لا يقلِّل من أثره لبنانياً، فالحساسية إزاء الوصاية السورية لم تندمل جروحها بعد، ولا يمحو آثارَها التغيير الذي حدث في دمشق.

 

ربما يكون لدى الشرع العديد من الأسباب التي تجعله يتوق إلى التدخل ضد الحزب في لبنان، تشاطره في ذلك نسبة كبيرة من السوريين الذين يريدون الانتقام من الحزب على خلفية تدخّله مبكراً إلى جانب قوات الأسد في قمع السوريين. يمكن استرجاع الكثير من التفاصيل المؤلمة للسوريين على هذا الصعيد، إلا أنها غير كافية لوضع الرغبة في الانتقام قيد التنفيذ

التصوّر الذي يوحي به ترامب هو دخول قوات سورية برية، خصوصاً إلى البقاع، بمساندة لوجستية من الطيران الإسرائيلي واستخباراتية أميركية. يبدو الأمر مشابهاً لعمل ميليشيات الحزب في سوريا، تحديداً بعد التدخل الروسي، وتقديم التغطية الجوية الروسية للميليشيات على الأرض. إلا أن التدخل السوري لن يكون نزهة، حتى مع الدعم الإسرائيلي والأميركي، لأن قوات الحزب ستتصدى للهجوم بأشد ما تملك، والسيناريو المتوقع هو وقوع أعداد ضخمة جداً من القتلى على الطرفين. وسيناريو تحرّك الميليشيات العراقية للضغط على السلطة السورية وارد أيضاً، بل إن التلويح به على السوشيال ميديا بدأ فور صدور تصريح ترامب، وهذا ما يرشّح السيناريو الدموي للتفاقم وعدم القدرة على التحكم به.

 

قبل الوصول إلى ذلك كله، لا مؤشّرات في سوريا على الرغبة في هذا التدخل، أو القدرة عليه. فالشرع لا يستطيع الاعتماد على الفصائل التي اندمجت نظرياً في وزارة الدفاع، ليبقى الاعتماد الأساسي على مقاتلي هيئة تحرير الشام الذين قد يكون كثر منهم غير راضٍ (لأسباب عقائدية) عن التحالف الضمني مع إسرائيل. في كل الأحوال، لن يكون مُحبَّباً الزجُّ بمقاتلي الهيئة خارج الأراضي السورية في هذه الظروف الانتقالية، لأن استنزافهم في لبنان قد يقوّي فصائل أخرى في سوريا.

الوضع الآن لا يشبه إطلاقاً ما كان عليه عشية تدخل حافظ الأسد، فالأخير كان قد مضى على انقلابه نحو ست سنوات تمكن خلالها من ترتيب البيت الداخلي لسلطته، وخاض حرباً ضد إسرائيل قوّت من الدعم الداخلي والعربي لحكمه. مع ذلك خسر الكثير من الاحترام الداخلي بسبب ما نُظر إليه كتحالف ضمني-موضوعي بينه وبين إسرائيل، كان رمزه مذبحة تل الزعتر. وعلى الرغم من الشعبية التي يحظى بها الشرع على خلفية إسقاط الأسد، فإن التحالف مع إسرائيل، ولو ضمنياً، لن يكون مقبولاً على نطاق واسع في الداخل السوري، وأغلب الظن أنه لن يحدث.

 

وقد يكون من المفيد التنبيه إلى اللامبالاة السورية الحالية إزاء ما يحدث في لبنان، وهي المرة الأولى التي يكون فيها لبنان تحت الحرب ويغيب عن اهتمام السوريين على نحو مطلق. ولا تصعب ملاحظة انشغالهم بشؤونهم السورية المحضة، وعلى نحو تفصيلي يغطّي على كل ما عداه، إلى حد مؤذٍ للنقاش السوري نفسه، ومؤذٍ لعدم رؤية سوريا ضمن الإقليم ككل. الإيجابية الوحيدة التي تُسجَّل لهذه اللامبالاة تأتي من الحساسية بين السوريين واللبنانيين، ومن أن مشاركة واسعة للسوريين في النقاش اللبناني سيكون تأثيرها سلبياً لجهة تعزيز الحساسيات ليس إلا.

لكن الانشغال السوري العام عن لبنان، وعدم وجود رغبة لدى السلطة في التدخل هناك، لا يعنيان أن تصريح ترامب بلا مفعول. فالتهديد بتدخل سوري يضيف سبباً آخر ليتمسّك الحزب بسلاحه، وحجّته ستكون وجود عدوين له على الحدود بأكملها، أو داخل الحدود ما دامت بقيت قوات إسرائيلية في الجنوب. هذه الذريعة ستدعم الحزب أمام حاضنته أيضاً، ربما أكثر مما يدعمه التلويح بالخطر الإسرائيلي، فالقناعة لدى الحاضنة ستكون بأنها مستهدفة من الجهة السورية بعمليات انتقام أوسع وأشدّ مما قد يأتي من الجنوب الذي ليس له ثأر مع الحاضنة. وإذا كان جزء من الرهان المعلَن خلال السنوات الفائتة ينص على الفصل بين الحزب والحاضنة فالتلويح بالتدخل السوري يدفع بالاتجاه المعاكس تماماً، أي في اتجاه التماهي بينهما، وباتجاه مزيد من التصلب في موضوع نزع السلاح.

 

في الأصل يبني ترامب تصريحه على إرث من التوجّس والريبة بين لبنان وسوريا، الإرث الذي تراكم بتدخل أسدي دموي في لبنان، ثم تدخّل دموي من الحزب في سوريا. التصريح يشير إلى إمكانية استغلال ذلك من جديد، وحتى إذا لم يحدث الآن فإنه يذكّر بما مضى ويراكم فوقه المزيد. هذا مجرد تذكير بالواقع القابل للاشتعال على طرفي الحدود، الذي يُضاف إلى عوامل عدم الاستقرار في كلّ من البلدين. قد لا يكون هذا الأثر المستدام في ذهن ترامب، لكنه يخرج بمكسب صغير إذ يطلق تهديداً أجوف يعلم أن ليس هناك من سيكذّبه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث