شتائم ترامب وعجز نتنياهو عن الرد

بسام مقدادالسبت 2026/06/06
GettyImages-2208500187.jpg
ترامب لنتنياهو: "من دوني، لكنت في السجن" (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

شتائم ترامب وألفاظه النابية (you're fucking crazy) الموجهة إلى نتنياهو في اتصال هاتفي تم تسريبه مطلع الشهر الجاري، تصدرت أنباء مواقع الإعلام في العالم. وهي ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها ترامب مثل هذه التعابير بحق أكثر من زعيم في المنطقة والعالم، لكنه لم يكن يجاهر بصداقة أي من هؤلاء كالود الذي كان يفاخر به تجاه لنتنياهو. 

 

يجمع الإسرائيليون على أنه لم يسبق أن وصل إلى البيت الأبيض رئيس على هذا الحرص على إسرائيل وأمنها، وعلى هذه الصداقة الشخصية مع رئيس وزرائها. ولذلك، لا مبالغة في القول إن "اتصال الشتائم" الهاتفي الذي بادر إليه ترامب مع نتنياهو، قد شكل صدمة لإسرائيل، مجتمعاً وإعلاماً وسياسيين. وعلى الرغم من أنها في صلب الأحداث التي تجري في إيران ولبنان، لا تزال إسرائيل منهمكة في تحليل أبعاد هذا الاتصال على وضعها الداخلي وعلى مصير حروبها في إيران ولبنان وغزة. 

لا معنى للحديث حول صحة تسريب هذا الاتصال. فقد أكد ترامب نفسه حقيقة اتصاله بنتنياهو وحقيقة شتائمه النابية التي وجهها إليه. وفي المقابلة عينها مع البودكاست Pod Force   One التي أكد فيها حقيقة "اتصال الشتائم"، قال ترامب عن نتنياهو " تربطنا علاقة جيدة جداً. أنا أحب بيبي كثيراً، ونعمل معاً بشكل ممتاز". وبرر شتائمه بالقول أنه كان منزعجاً "قليلاً"  من حرب نتنياهو الطويلة في لبنان. 

في تعليقه على شتائم ترامب، حاول نتنياهو التخفيف من وقعها، ورفض الخوض في تفاصيل ما جاء فيها. وقال في مقابلة مع شبكة CNBC: "إذا كنتم تعتقدون أن هذه أزمة، كان ينبغي عليكم أن تستمعوا إلى محادثاتنا الأخرى"، حسب موقع يديعوت أحرونوت بالروسية vesty في 3 الجاري. وأضاف بأنه لا يريد الخوض في تفاصيل أحاديثه مع ترامب التي كانت "كثيرة جداً، بالآلاف". وقال بأنهما كانا دائماً يجدان مخرجاً من الوضع، وبينهما توافق على الكثير من القضايا. 

 

لا شك أن العلاقة الشخصية الوطيدة مع ترامب تشكل رصيداً بالغ الأهمية بالنسبة لنتنياهو في إسرائيل، خصوصاً على أبواب الانتخابات المقبلة. وهو لا يفاخر بهذا الرصيد فقط، بل يستخدمه في الحالات شبه المستعصية، كما في حالة طلب العفو من الرئيس الإسرائيلي. لكن مزاجية ترامب وتضارب المصالح الأميركية الإسرائيلية في بعض الحالات، يجعل هذا الرصيد مثيراً للقلق الدائم والهواجس لدى نتنياهو. في حالات عديدة، وبالتحديد في غزة وإيران ولبنان، وحين يكون نتنياهو في ذروة جموحه العسكري، يصده ترامب فجأة ويصب الماء على رأسه. وتكررت هذه الحالات في كل من غزة وإيران ولبنان. فحين كان في ذروة مجزرته في غزة التي تمددت سنتين، خرج ترامب فجاة، ومن دون إطلاع نتنياهو، بمبادرته لتشكيل "مجلس السلام" الذي  يعتقد أنه سيضع نهاية للمأساة. وحين كان الطيران الإسرائيلي في سماء طهران يستعد لإفراغ حمولته على المؤسسات الرسمية أثناء حرب الإثني عشر يوماً، أعادها ترامب من حيث وصلت إلى حيث غادرت مع حمولتها وسط دهشة نتنياهو وعجزه على الاعتراض. والأمر عينه تكرر منذ أيام، حين كان الطيران الإسرائيلي يستعد لقصف الضاحية الجنوبية في بيروت تنفيذاً لتهديد نتنياهو، طرح ترامب ما يخطط له في لبنان، ومن جديد لم يعترض نتنياهو ولم يقل لا. لكن حساباته هذه المرة كانت مختلفة، إذ كان متاكداً من أن حزب الله سوف يعفيه من المهمة، ويرفض وقف إطلاق النار وكل مشروع الاتفاق الذي عاد به الوفد اللبناني من المفاوضات مع إسرائيل. ولم يتأخر نتنياهو في العودة إلى ارتكاباته في الجنوب من دون أن يوسع مداها إلى بيروت، حتى الآن على الأقل. 

 

بلغت ذرة خضوع نتينياهو المهين لإرادة ترامب حين أجبره على الاعتذار لقطر هاتفياً من البيت الأبيض على فعله في قصف الدوحة. 

يجمع الإسرائيليون على مطالبة نتنياهو بأن يقول لا لترامب ولو مرة واحدة، ولا يقتصر الأمر على معارضيه، بل طالبه بذلك هذه المرة حليفه في االائتلاف الحكومي بن غفير. وهم يرون أن انصياع نتنياهو الكامل لمزاجية ترامب وقراراته قد حول إسرائيل إلى "جمهورية موز".

موقع شبكة التلفزة الإسرائيلية الناطقة بالروسية أيضاً isralLife نشر في 4 الجاري نصاً بعنوان "رئيس وزراء الموز"، وأرفقه بآخر توضيحي "يأتي نبأ إلغاء نتنياهو لهجوم بيروت بعد توبيخه من قبل دونالد ترامب في سياق سلسلة من الأحداث المماثلة التي وقعت بالفعل".

استهل الموقع نصه بالقول إن نتياهو، وهو يقدم إسرائيل متباهياً على أنها "قوة إقليمية" و"دولة ناشئة"، فقد حوّل منذ فترة طويلة البلاد الخاضعة لسيطرته إلى محمية أميركية.

 

يعدد الموقع المرات التي ذكرت أعلاه عن خضوع نتنياهو صاغراً لإرادة ترامب، وينسب إلى موقع walla قوله إنه منذ تربع ترامب على عرش البيت الأبيض، لم يتلفظ نتنياهو مرة واحدة بكلمة "لا" بوجه ترامب. 

توقف الموقع عند المرة الأخيرة التي لم يقل نتنياهو لترامب لا حين أنهى الأخير الحرب على حزب الله في لبنان، كما يعتقد الموقع. وجميع تصريحات نتنياهو الصاخبة بأن إسرائيل ستواصل الحرب ضد حزب الله تبخرت بسرعة في الهواء كدخان سيجارة. واصل حزب الله قصف الشمال يومياً تقريباً، وأصدر نتنياهو ووزير الدفاع الأمر بمهاجمة الضاحية. لكن وللأسف، ربطت إيران الجبهة اللبنانية بالهدنة الأميركية الإيرانية، فصرخ ترامب بنتنياهو وتوقف الأخير على الفور. 

تحدث الموقع عن فرضية يقول نفسه بأنه لم يؤكدها أي مصدر. وتقول الفرضية أن تهديد نتنياهو بقصف الضاحية، لم يكن سوى فخ نصبه نتنياهو لصالح ترامب. وذلك لكي يبدو الأخير عبر تسريب محتوى الحديث الهاتفي مع نتنياهو صانع سلام، ويحسن موقع الولايات المتحدة في المفاوضات مع إيران. 

في هذه الحالة، يرى الموقع أن الدور الموكل إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية لا يحسد عليه: "كلب حراسة" لدى واشنطن، يرسل الجنود الإسرائيليين إلى حتفهم أو لا يرسلهم، تبعاً لما تقتضيه مصالح دولة أخرى، على أمل لم يثبت صحته حتى الآن بأن مصالح الإسرائيليين لن ينسىاها ترامب.

 

موقع walla المعروف نشر في 3 الجاري نصاً نقله إلى الروسية لاحقاً موقع zahav الإسرائيلي. في نصه المطول تحدث موقع walla عن السبب الحقيقي الذي يقف وراء "اتصال الشتائم" بين ترامب ونتنياهو. 

يرى موقع walla أن السبب الحقيقي الذي يقف وراء تمنع الجميع عن نفي "اتصال الشتائم"، هو أن الأميركيين ليس من مصلحتهم القيام بذلك. فهم معنيون بأن يظهروا للعالم الغربي ولبلدان الخليج وللإيرانيين وحتى للأميركيين أنفسهم بأنهم يلجمون إسرائيل. أما نتنياهو فليس لديه إمكانية لنفي الاتصال من دون أن يقع في وضع حرج. لكن الموقع يفترض أن نتنياهو قد لا يكون معنياً بهذا النفي. بالطبع، كان يفضل ألا يسمع تلك الشتائم وما ذكّره به ترامب، مثل: "من دوني، لكنت في السجن"، "الجميع يكرهك"، أو "لقد أنقذت مؤخرتك". لكن في الوضع الذي وجد نفسه فيه، فإن أهون الشرين بالنسبة له هو أن يُنظر إليه على أنه يحلم بشن عملية واسعة النطاق في لبنان حتى يحقق "النصر الكامل"، ولكنه يتراجع من أجل هدف أكثر أهمية، الفوز باللعبة الكبرى على الاتجاه الإيراني، حتى على حساب مصالح سكان الشمال والجنود الإسرائيليين.

لذلك يستنتج الموقع بأن أول ما يمكننا التأكد منه، هو أن "اتصال الشتائم" قد حدث بالفعل، والشتائم التي تضمنها صحيحة. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث