يشكّل العسكر والاقتصاد الركيزتين الأساسيتين لتحديد قوّة وصلابة الدولة. وبعض الدول ترتقي إلى مستوى الإمبراطورية، فيصل نفوذها ليطال أجزاء واسعة من الكرة الأرضية، فارضةً لغتها، وثقافتها، وحضارتها على غيرها.
ويؤدّي تعدُّد الإمبراطوريات إلى منافسة تصل لحدّ الصراع على النفوذ. وبهذا، عرف التاريخ العديد من الإمبراطوريات العظمى، وصلت كلّها إلى الذّروة قبل التراجع إلى مرتبة دولة عادية أو الزوال.
وإذا كان الهدف الأساسي للإمبراطوريات التاريخية التوسّع والنفوذ والهيمنة وفرض الإرادة، فيمكن اعتبار كرة القدم الإمبراطورية الأكثر انتشاراً وتوسّعاً ونفوذاً في التاريخ الحديث من دون منازع. فهي أكثر انتشاراً من الديمقراطية كنظام سياسي، وقبضتها على العقول أقوى من الديكتاتورية والتوتاليتارية الأيديولوجية، ولا تضاهيها أي ديانة أو عقيدة من حيث حجم الاتباع والشغف والتطرّف في الولاء.
عالم الفيفا استثنائي
تضمّ الفيفا اليوم 211 اتّحاداً وطنياً؛ أي أكثر من عدد الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتّحدة البالغ 193 عضواً. إن خريطة كرة القدم أوسع بكثير من الخريطة السياسية الرسمية للعالم، وحيث تعجز البعثات الدبلوماسية والمفاوضات المعقدة عن فتح قنوات الحوار بين الشعوب والأنظمة، تنجح هذه المستديرة الساحرة في فرض شروطها وبروتوكولاتها الصارمة. وليس هناك دليل أوضح على تفوّق هذه الإمبراطورية الكروية على الحروب والسياسة من تلك اللحظة التاريخية الخالدة التي جرت عام 1914، وسط جحيم الحرب العالمية الأولى؛ حينها، خرج الجنود الألمان والبريطانيين من الخنادق، وضعوا بنادقهم وأحقادهم جانباً، ولعبوا كرة القدم قبل أن يعودوا إلى خنادقهم لتبادل إطلاق النار مجدداً. اللعبة لم تنهِ تلك الحرب الدامية التي حصدت الملايين، لكنها هزمتها إنسانياً ونفسياً لعدّة ساعات، وأثبتت أن الشغف الإنساني المشترك أقوى بكثير من أوامر السياسيين القابعين في قصورهم.
وعادةً ما تتسابق الدول على استضافة هذا الحدث الكروي الكوني ليس حبّاً بالرياضة فحسب، بل كأداة جيوسياسية لإعادة صياغة صورتها العالمية، وشراء النفوذ الثقافي، وفرض قوتها الناعمة في مواجهة الخصوم. وعلى الأراضي الأميركية التي تحتضن نسخة 2026، تفرض إمبراطورية كرة القدم بروتوكولها الخاص متجاوزةً أعتى الخنادق الدبلوماسية الحديثة، وعلى رأسها العلاقة المعقدة والمشحونة والممتدة لعقود بين الولايات المتحدة وإيران. في العالم السياسي الواقعي، هناك عقوبات اقتصادية خانقة، وتهديدات عسكرية مُعلنة، ومقاطعة دبلوماسية دامت لعقود طويلة بين واشنطن وطهران. أما على المستطيل الأخضر، فالقانون الكروي يفرض تسعين دقيقة من المساواة المطلقة والندية الشريفة تحت مراقبة العالم بأسره. وكرة القدم هي ذاتها التي تحولت في مونديال قطر 2022 إلى منصة سياسية كونية هزّت الداخل الإيراني عندما امتنع لاعبو المنتخب عن ترديد نشيدهم الوطني تضامناً مع الاحتجاجات الشعبية العارمة، ليحرجوا النظام الحاكم أمام مليارات المشاهدين عبر الشاشات. وهي ذاتها اللعبة التي تجبر الخصوم اللدودين على المصافحة علناً وتبادل باقات الورد، كما حدث في مباراة "السلام" الشهيرة بمونديال 1998، حيث كسر اللاعبون كل الجدران الأيديولوجية المصطنعة وأثبتوا أن الفيفا قادرة على إخضاع الأنظمة السياسية لقوانينها الرياضية.
المونديال يوحّد اللبنانيين
لكن سحر هذه الإمبراطورية العابرة للقارات لا يتوقف عند صراع الدول العظمى في المحافل الدولية الكبرى، بل يتوغل عميقاً ليتجاوز "الخنادق المحلية" داخل الأوطان الممزقة بالصراعات والأزمات الداخلية. في بلد كلبنان، حيث نجحت السياسة بامتياز في تقسيم الشعب عمودياً، وتوزيع الولاءات الطائفية والحزبية الضيقة على محاور إقليمية ودولية، تفشل كل محاولات الدبلوماسية والوساطات في تقريب وجهات النظر، وتنجح كرة القدم في ردم هذه الهوة السحيقة. المونديال يصبح في هذا السياق المناسبة السحرية والنادرة القادرة على توحيد اللبنانيين تحت علم واحد؛ ليس علم وطنهم المأزوم والغائب تاريخياً عن المونديالات، بل علم المنتخب العالمي الذي يعشقونه ويناصرونه. في مشهد استثنائي فريد، قد تجد مناصراً "القوات اللبنانية" وآخر من "حزب الله" يجلسان متجاورين في المقعد نفسه داخل المقهى الشعبي، يهتفان بالحماسة ذاتها، ويحملان علم البرازيل أو ألمانيا أو الأرجنتين أو غيرها معاً بقلب واحد.
اللبنانيون، في ظل غياب الدولة والمشاريع الوطنية الجامعة والانكسار الاقتصادي المستمر، يبحثون في المونديال عن نصر افتراضي يعوّضهم عن خيبات واقعهم المرير وهزائمهم اليومية المتراكمة. وتذوب الحواجز الطائفية والنفسية مؤقتاً بفضل هذه الهوية البديلة التي تمنحهم إياها اللعبة، ليتحوّل الخصم السياسي الشرس في الداخل إلى شريك كامل في الفرح أو الخيبة الكروية.
يعلّمنا التاريخ أن كل إمبراطورية، مهما بلغت من القوة والسطوة والغطرسة، تحمل في طياتها بذور فنائها الذاتي، فتنتهي وتزول لتتحول في نهاية المطاف إلى مجرد تاريخ. لكن إمبراطورية كرة القدم تبدو استثناءً صارخاً ووحيداً لهذه القاعدة التاريخية والاجتماعية الثابتة؛ فهي لا تضعف مع مرور الزمن، بل تتمدّد وتتوغل وتتجذّر. غير أن هذه الإمبراطورية، وبالرّغم من ثباتها وتمدّدها لا تنجو من تأثير العولمة الليبرالية التي تسعى للتسطيح وتوحيد النماذج؛ تماماً كما أن الديمقراطية أصبحت منتجاً للتصدير، والاقتصاد كناية عن وصفة واحدة لكلّ الاقتصادات بغض النظر عن سياقها. كانت كرة القدم مرآة للهويّات الثقافية المحلية: الكرة البرازيلية مهارة وارتجال، الإيطالية انضباط وبراغماتية، الإنكليزية شراسة ومباشرة، والألمانية قوّة وحسم. تتقارب اليوم أساليب اللعب حتّى التطابق، والمدرّبون يتنقّلون بين القارات حاملين التكتيكات ذاتها.
كما أن هذه الإمبراطورية التي قامت على الشّغف الشعبي، باتت اليوم واحدة من أضخم الاقتصادات في العالم- 300 مليار دولار سنوياً: صفقات انتقال اللاعبين، عقود البثّ التلفزيوني، والملاعب. دخل المال اللعبة وأعاد تشكيلها على صورته، تماماً كما يفعل دائماً بكلّ ما يدخل عليه.
لكن وبالرّغم من التسطيح والتسليع، ستبقى كرة القدم الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشّمس ما دام هناك طفل يركل كرة وشاشة تشتعل حماسة.




