ضحايا "المنفعة العامة"

شادي لويسالأربعاء 2026/06/03
مشاريع سياحية مصرية (Getty)
نزع الملكية بالمشروعات الاستثمارية الكبرى على ساحل المتوسط (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

وفق دراسة نشرت قبل أيام في منصة"ديوان العمران"، عنوانها "باسم المنفعة العامة"، بين العامين 2021 و2025، قامت الدولة المصرية بمؤسساتها المختلفة بنزع ملكية ما يقرب من 88 ألف فدان وحوالى 20 ألف عقار وما يزيد عن 32 ألف قطعة أرض، إضافة إلى 110 ألف وحدة سكنية مملوكة لأكثر من نصف مليون مواطن. في القاهرة وحدها تأثر أكثر من ربع مليون مواطن بإجراءات نزع الملكية؛ أي حوالى واحد بين كل مئة من المواطنين. 

 

تُعدّ قوانين نزع الملكية لصالح المنفعة العامة تناقضاً مقلقاً في المدونة القانونية الحديثة، فالدولة البرجوازية القائمة بالأساس على حماية الملكية الخاصة تتضمن في بنيتها تعطيلاً لمنطق وجودها نفسه. ولا تخفف الدولة ذلك التناقض حين تصيغ القانون، بل تقر بالعنف الذي يحكمه وهي تسميه بـ"نزع" الملكية. النزع تلك اللفظة المحملة بالدلالات المباشرة والحسية. لكن الأمر لا يقتصر ببساطة على العنف، حيث أن قوانين "المنفعة العامة" تعبر عن ذلك التوتر التاريخي في النظرية السياسية وفلسفة القانون بين تعريف العام والخاص، والمعادلات المعقدة لتحديد أولوية كل منهما في حالات بعينها. وفي القلب من تلك الثنائية ثمة رواسب من تاريخ قديم منسي عن مجتمع المشاع أو أخيلة يوتوبيا غير متحققة عن الملكية العامة، حيث يملك الجميع كل شيء بالتساوي ولمصلحة الكل. 

 

بين المشروعات الحكومة التي تطلبت نزع الملكية جاءت الأبنية التعليمية في مرتبة متقدمة. منطق المصلحة العامة هنا يبدو جلياً وبلا حاجة لكثير من التبرير. إلا أن التوسع في نزع الملكيات الخاصة في تلك الحالة، يأتي كرد فعل على رغبة ملاك الأبنية المؤجرة لوزارة التربية والتعليم في استرداد ملكياتهم، وذلك بحكم قوانين الإيجار الجديدة. المنطق وراء قوانين الإيجار المعدلة هو أيديولوجيا السوق الحر وحماية الملكية الخاصة. بشكل انتقائي تعود الدولة لتلغي ذلك المنطق، يسترد بعض الملاك أبنية المدارس بالفعل أما البعض الآخر فيدفع ثمن المنفعة العامة. تلك الانتقائية ليست عشوائية، بل تحكمها معادلة طبقية واضحة. 

 

تستأثر مشروعات الطرق والكباري بالحصة الأكبر من عمليات نزع الملكية، وبالأخص في القاهرة والمدن الكبرى مثل الجيزة والإسكندرية. منذ الأزمة المالية العالمية قبل عقدين، صار الهوس بمشروعات البنية التحتية سياسة معولمة تحض عليها المؤسسات المالية الدولية وتضغط لتنفيذها، حيث تتيح عوائد لفوائض رؤوس الأموال الراكدة بضمان أصول ثابتة على الأرض، بالمعنى المعنوي والمادي. في العقد الأخير، دخلت مصر في حلبة الاقتراض المتسارعة، وحمى المشروعات الكبرى بغرض تحريك السوق ورسم مبرر للحكم في جداول الإنجازات. الثمن هو مديونية هائلة سترثها أجيال عديدة لاحقاً، وفي الحاضر تنتزع عشرات الألوف من الأسر إن لم يكن مئات الألوف من بيئاتهم، لمصلحة السيولة المرورية. يستفيد الجميع من حركة مرور انسيابية بلا شك، لكن أوزان تلك المنفعة ليست متساوية. تخدم الطرق والكباري بشكل خاص الفئة المحدودة من ملاك السيارات الخاصة، وذلك في ظل تراجع هائل يقترب إلى حد التلاشي لخدمات النقل الجماعي المملوكة للدولة. هكذا يبدو شعار المنفعة العامة مخادعاً، أولعله يشير إلى معناه الدقيق، أن المنفعة العامة لا تتجاوز كونها منفعة خاصة لنسبة ضيقة من السكان على حساب الأغلبية الساحقة. 

 

تتصدر محافظة مطروح جميع المحافظات من حيث المساحات المنزوعة، بإجمالي 50 ألف فدان، والسبب لا يمكن تسميته بالمنفعة العامة بأي طريقة، بل بنقيضها. يرتبط السجل الهائل للمحافظة في ترتيب نزع الملكية بالمشروعات الاستثمارية الكبرى على ساحل المتوسط، مثل مشروع "رأس الحكمة". قامت الدولة بالاستيلاء على أراضي الأهالي لمبادلاتها مع العواصم الخليجية مقابل دفعات مالية تستخدم لتسديد عجز العملة الصعبة في الموازنة العامة. 

في المدن المزدحمة تعيد الدولة رسم خريطة الديموغرافيا، باقتلاع سكانها الأكثر هشاشة لمصلحة حركة مرورية سريعة على الطرقات بين نقاط للاستهلاك في أحياء خالية من الأماكن العامة. وفي المحافظات البعيدة ذات الكثافة السكانية المنخفضة، يفقد الأهالي حيازتهم الخاصة والعامة على امتداد البحر، وتختفي رمال الشواطئ البيضاء وراء أسوار مجمعات سياحية هائلة، على الأغلب لن يستطيعوا رؤيتها من الداخل أبداً.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث