عودة الاحتلال الإسرائيلي إلى أرنون بعد 26 عاماً على تحريرها، الذي نسب إلى أصحاب "النصر الإلهي"، حفز نشر الكثير من النصوص على شبكات التواصل الاجتماعي التي استعادت ذكرى المعركة التي فشل فيها الإسرائيلي في احتلال القلعة ومحيطها. مَن صد الإسرائيلي حينها وانتصر عليه، لا علاقة له بمن تولى الدفاع عنها الآن، بل قضى لاحقاً على يد من سجل انتصار العام 2000 باسم إيران وفصيل حرسها الثوري في لبنان. ووضعوا بذلك حجر الأساس للسيطرة العسكرية على لبنان، التي أتبعوها بعد سنوات قليلة بمصادرة الدولة واختراق أعماق مؤسساتها.
أصحاب النصوص الذي سارعوا إلى المقارنة بين معركتي أرنون، فات الكثيرين منهم الإشارة إلى أن عجز الدولة اللبنانية كان القاسم المشترك الرئيسي، ولم يعوضه في الأولى مشاركة لبنانيين ساهموا في التصدي للإسرائيلي. وكان هؤلاء قد أطلقوا مقاومة للاحتلال طوروها لبنانية بقدر ما سمحت ظروف الحرب الأهلية اللبنانية التي كانت في أوجها حينذاك. والفريق اللبناني الذي كان يمسك بالدولة، فلنقل إنه لم يكن صاحب مصلحة في دعم تلك المقاومة (لكل فريق حقيقته في الحروب الأهلية التي لا "تنتهي" إلا باعتراف كل فريق بحقيقة الآخر، هذا إن انتهت)، واتخذ عجز الدولة شكلاً لا يزال محور نقاش بين اللبنانيين حتى الآن.
سارع نظام الأسد في سوريا إلى الاستثمار في ذلك العجز، وعاد إلى احتلال لبنان جنباً إلى جنب مع الاحتلال الإسرائيلي وبشروطه، ورعى مع الاحتلال الإيراني الناشئ التصدي لمقاومة اللبنانيين للاحتلال الإسرائيلي، وإيلاء شأن المقاومة لفصيلين تابعين لنظامي الأسد والملالي. ولا يستقيم الحديث عن عجز الدولة حينها، إذ لم يبقِ الاحتلالان على أي من مقوماتها، وحرصا على مصادرة تمثيلها الدبلوماسي في المنظمات الدولية والبعثات الدبلوماسية في العالم.
بعد طرد الاحتلال الأسدي في العام 2005 بفعل الظروف الدولية التي نشأت حوله إثر تنظيمه اغتيال رفيق الحريري مع حزب الله، انفرد فصيل الحرس الثوري بالإمساك بلبنان ودولته. وكرس سلطته بحربه على لبنان في العام 2006 التي افتعلها مع إسرائيل، وثبت دعائم هذه السلطة في احتلال بيروت في 7 أيار "المجيد" العام 2008. ومنذ ذلك الحين وحتى مطلع العام 2025 لا يستقيم الحديث عن الدولة وعجزها في ظل الاحتلال الإيراني، الذي خاض على أرض لبنان حربي إسناد غزة وإيران، والتي أسفرت الأخيرة حتى الآن عن عودة الاحتلال إلى قلعة أرنون، ويتحدث الإسرائيليون عن احتمال الوصول إلى بيروت مرة أخرى. ويشاع أن الأميركيين هددوا جوزاف عون بمجيء نتنياهو إلى القصر الرئاسي لمصافحته رداً على رفضه لقاء نتنياهو في البيت الأبيض.
لكن دون ذلك احتمال آخر باصطدام إسرائيل مرة أخرى بمتلازمة لبنان، التي يرى الإعلام الروسي الدائر في فلك الكرملين أن حزب الله لا يزال بوسعه أن يقف وراء هذا الاصطدام.
فقد نشرت صحيفة الأعمال الروسية الكبرى vedomosti في الأول من الجاري نصاً عنونته بالتساؤل "هل ستواجه إسرائيل "متلازمة لبنان" جديدة؟".
نقلت الصحيفة عن الجيش الإسرائيلي إعلانه احتلال القلعة الصليبية Beaufort، وأشارت إلى إدانة نواف سلام للتصعيد الإسرائيلي. لكنها في المقابل قالت إن نبيه بري، وعلى العكس، أدان الحكومة اللبنانية لاستعدادها مواصلة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.
كما نقلت الصحيفة عن الباحثة الروسية في مركز أبحاث الشرق الأوسط، لودميلا سامارسكايا، إشارتها إلى أن القيادة الإسرائيلية ليست مهتمة في المرحلة الراهنة بربط الجبهة اللبنانية بالهدنة بين إيران والولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، يقوم الإسرائيليون بتوسيع منطقة سيطرتهم من أجل وقف قصف شمال إسرائيل، وإذا أمكن، زيادة الضغط العسكري على حزب الله. وترى أن من الناحية النظرية، تدرس الدولة اليهودية أيضاً خيار استخدام الأراضي المحتلة كأداة تفاوض في حوار محتمل مع السلطات اللبنانية. كما تقول إن القيادة الإسرائيلية لا تؤمن في هذه المرحلة بفعالية المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، لأن بيروت غير راغبة وغير قادرة على نزع سلاح حزب الله. وتحذر سامارسكايا من أن احتلال إسرائيل لأراضٍ لبنانية جديدة يبدو منطقياً من الناحية العسكرية التكتيكية في الوقت الراهن، ولكن على المدى الطويل قد يصبح هذا الخيار طريقاً مسدوداً بالنسبة لهم، بالنظر إلى تجربة الحملات اللبنانية السابقة.
الباحث الأول في معهد الشرق الأوسط سيرغي بالماسوف قال للصحيفة إن إسرائيل تستغل فرصة سانحة لإضعاف حزب الله بشكل جدي قبل إعادة فتح ما يسمى بالجسر السوري بين إيران وحلفائها في لبنان. ويرجح ألا ينسحب الجيش الإسرائيلي من الأراضي المحتلة على المدى المتوسط، وسيحاول إعادة إنشاء هياكل عسكرية تابعة له، على غرار جيش لبنان الجنوبي، من أجل استخدام الآخرين لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية.
ألكسندر نجاروف، المحلل الروسي في كلية الاقتصاد العالمي والشؤون الدولية في المدرسة العليا للاقتصاد راى أن العملية العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان لا تستهدف تعطيل مفاوضات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، بل تهدف إلى حل القضايا العملياتية والتكتيكية في أراضي الدولة المجاورة.
وعلى عكس ما يؤكده حزب الله بعد احتلال قلعة أرنون من أنه لم يكن يستخدمها لأغراض عسكرية، يؤكد نجاروف أن الحزب كان يحشد فيها قوات كبيرة ويطلق منها طائرات مسيرة قتالية على مواقع الجيش الإسرائيلي. ويحذر من أن ما يجري حتى الآن يمكن أن يكون مقدمة لهجوم إسرائيلي واسع في لبنان على غرار ما حدث في العام 1982.
موقع zahav الإسرائيلي الناطق بالروسية نقل في 31 الشهر المنصرم عن موقع Walla الإسرائيلي نصاً تحدث فيه عن موقف الولايات المتحدة من العملية الإسرائيلية في لبنان.
قال موقع Walla إنه في حين يجري لبنان وإسرائيل مفاوضات مباشرة لأول مرة بوساطة أميركية، تدفع الوقائع على الأرض الطرفين في اتجاهين متعاكسين. وعلى مدى أشهر، أكد المسؤولون الأميركيون أن لإسرائيل كامل الحق في الدفاع عن نفسها ضد التهديدات الصادرة من لبنان. وقد منحت مذكرة التفاهم التي رافقت اتفاق وقف إطلاق النار إسرائيل بعض المرونة في الرد على انتهاكات حزب الله. لكن خلف الأبواب المغلقة، ظل الموقف الأميركي من دون تغيير: منع الصراع من التصعيد إلى حرب شاملة، وإذا أمكن، تجنب الخطوات التي قد تجر لبنان بأكمله إلى الصراع. وأصرّت واشنطن بشكل خاص على التأكيد على أنها لا تريد أن ترى بيروت تتحول مرة أخرى إلى ساحة عمل عسكري واسع النطاق. من وجهة النظر الأميركية، يتمثل السيناريو المفضل في وقف إطلاق نار مستقر نسبياً مع انتهاكات محلية معزولة، وضربات إسرائيلية محدودة ضد التهديدات المباشرة، وعملية تدريجية موازية تقوم فيها الدولة والجيش اللبنانيان بتعزيز سيطرتهما في جنوب البلاد وإضعاف موقف حزب الله تدريجياً.
توقف الموقع الإسرائيلي عند تصريح نتنياهو عن أن وحدات الجيش الإسرائيلي تعمل خلف نهر الليطاني، ويعتبرون في إسرائيل أن ذلك ضروري لأمن المستوطنات الشمالية. لكنه يشير إلى أن هذا الموقف يثير لدى واشنطن قلقاً متزايداً. وحتى الآن لم تكن هناك خلافات علنية بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو بشأن القضية اللبنانية، ووزير الخارجية الأميركي حمل حزب الله المسؤولية عما يجري.




