العنف الاستعماري في الجزائر بين الذاكرة والتاريخ

سلام الكواكبيالاثنين 2026/06/01
الجزائر جنود فرنسيون ثوار جزائريون (Getty)
كتابة تاريخ العنف الاستعماري تقتضي تجاوز السجالات السياسية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا يزال ملف الاستعمار الفرنسي للجزائر واحداً من أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين البلدين، ليس فقط بسبب حجم المآسي الإنسانية التي خلفها الاحتلال الممتد لأكثر من قرن وثلاثة عقود، بل أيضاً بسبب استمرار الخلاف حول كيفية رواية هذا التاريخ وفهمه. فبينما يطالب الجزائريون باعتراف واضح بالجرائم الاستعمارية وما نتج عنها من قتل وتهجير ومصادرة للأراضي وتدمير للبنى الاجتماعية والثقافية، ما زالت قطاعات من النخبة السياسية والفكرية الفرنسية تتردد في الذهاب إلى أبعد من الاعتراف الجزئي أو الرمزي ببعض الوقائع التاريخية. وقد أدى هذا التباين في السرديات إلى إبقاء الذاكرة الاستعمارية جرحاً مفتوحاً ينعكس على العلاقات السياسية بين البلدين.

 

إن إعادة دراسة العنف الاستعماري في الجزائر لا تندرج في إطار استحضار الماضي من أجل تأجيج الخصومات، بل على العكس من ذلك، تمثل خطوة ضرورية لبناء مصالحة تاريخية حقيقية قائمة على المعرفة والاعتراف. فالتجارب الدولية المختلفة أثبتت أن تجاوز آثار الاستعمار أو الحروب الكبرى لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مواجهة الماضي بشجاعة، والاعتراف بالانتهاكات التي ارتُكبت، وتقديم الاعتذار الرسمي عنها، ثم البحث في أشكال التعويض المادي أو الرمزي للضحايا وورثتهم. ومن هذا المنطلق، فإن فهم آليات العنف الاستعماري في الجزائر وتحليل جذوره وبناه لا يهدف إلى إدانة أفراد بعينهم فحسب، بل إلى تفكيك منظومة استعمارية كاملة تركت آثارها العميقة في المجتمعين الجزائري والفرنسي على السواء.

يشكل تاريخ الاحتلال الفرنسي للجزائر واحداً من أكثر فصول التاريخ الاستعماري إثارة للجدل، ليس فقط بسبب حجم العنف الذي رافق عملية الغزو وإخضاع السكان، بل أيضاً بسبب الإشكاليات المعرفية المرتبطة بكتابة هذا التاريخ. فمعظم الوثائق والأرشيفات المتاحة اليوم صاغها المنتصرون وقادة الحملات العسكرية والإداريون الاستعماريون، بينما ظل صوت الجزائريين، ضحايا تلك السياسات والعنف، محدود الحضور أو غائباً في كثير من الأحيان. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن كتابة تاريخ موضوعي للعنف الاستعماري عندما تكون المصادر الأساسية صادرة عن الجهات التي مارسته؟

 

برز اسم المارشال توماس روبير بوجو في هذا السياق بوصفه أحد أبرز قادة الاحتلال الفرنسي للجزائر خلال أربعينيات القرن التاسع عشر. وقد ظل لسنوات طويلة يُحتفى به في فرنسا باعتباره بطلاً عسكرياً ومهندساً للتوسع الاستعماري، قبل أن تتحول صورته تدريجياً إلى رمز للعنف الاستعماري والجرائم المرتكبة خلال عملية إخضاع الجزائر. وفي المقابل، حافظت الذاكرة الجزائرية على صورة مختلفة تماماً لهذا الرجل، إذ ارتبط اسمه بالخوف والمجازر والدمار الذي لحق بالمجتمعات المحلية.

اعتمد بوجو استراتيجية عسكرية تقوم على الحركة السريعة، وتدمير مصادر عيش السكان، وتنفيذ الغارات المعروفة باسم "الغزيات"، إضافة إلى سياسة الأرض المحروقة. لم تكن هذه الممارسات مجرد تجاوزات فردية أو أخطاء ميدانية، بل شكلت جزءاً من رؤية متكاملة هدفت إلى إخضاع البلاد بالقوة وتهيئة الظروف لمشروع استيطاني دائم. وقد ترافق ذلك مع مصادرة الأراضي وإعادة توزيعها لصالح المستوطنين الأوروبيين، في إطار مشروع استعماري جمع بين القوة العسكرية والاستيطان الزراعي.

 

إن حصر تاريخ العنف الاستعماري في أفعال عدد من القادة العسكريين قد يؤدي إلى اختزال ظاهرة معقدة في مسؤوليات فردية، ويغفل الطبيعة البنيوية للعنف الذي صاحب المشروع الاستعماري بأكمله. فالمجازر والتهجير القسري والاستيلاء على الأراضي لم تكن مجرد نتائج لقرارات أشخاص بعينهم، وإنما كانت جزءاً من نظام سياسي وعسكري واقتصادي متكامل هدفه السيطرة على الأرض والسكان.

ومن أبرز الأمثلة على هذا العنف ما عُرف بـ"مجازر الدهرة" سنة 1845، حين لجأت مجموعات من قبيلة أولاد رياح إلى الكهوف هرباً من القوات الفرنسية. فأمر العقيد بيليسييه بإشعال النيران وإدخال الدخان إلى داخل الكهوف، مما أدى إلى اختناق مئات الرجال والنساء والأطفال. وقد أثارت هذه الحادثة ردود فعل واسعة في فرنسا آنذاك، إلا أن المسؤولين عنها لم يتعرضوا لعقوبات حقيقية. أما الإدانة التي صدرت عن بعض السياسيين والمثقفين الفرنسيين فركزت غالباً على الطابع "الاستثنائي" للحادثة، بينما تشير الوقائع التاريخية إلى أن الجيوش الفرنسية مارست أشكالاً مختلفة من العنف الجماعي في مناطق أخرى قبل الجزائر. وبذلك فإن تصوير بعض الجرائم باعتبارها أحداثاً فريدة قد يسهم في التغطية على الطبيعة المنهجية للعنف الاستعماري.

 

وتزداد أهمية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بموقع الجزائريين أنفسهم في كتابة تاريخهم. فالسرديات التقليدية كثيراً ما قدمت المقاومة الجزائرية بوصفها سلسلة من "التمردات" أو "الثورات المحلية" المتفرقة، بينما يرى عدد متزايد من الباحثين أن هذه المقاربة تقلل من شأن التنظيم السياسي والاجتماعي الذي أظهرته المجتمعات الجزائرية في مواجهة الاحتلال. فقد تمكنت شخصيات مثل الأمير عبد القادر وقادة المقاومة المحليين والزوايا الدينية من بناء شبكات واسعة للتعبئة والتنظيم، ما يدل على وجود مشروع مقاومة متماسك تجاوز مجرد ردود الفعل العفوية.

كما أن الاقتصار على المصادر العسكرية والإدارية الفرنسية يجعل من الصعب فهم التجربة اليومية للجزائريين خلال تلك المرحلة. فكيف عاش المدنيون آثار الحروب المتواصلة؟ وما الذي تعنيه مصادرة الأراضي بالنسبة للعائلات والقبائل التي فقدت مصادر رزقها؟ وكيف انتقلت ذكريات المجازر والتهجير من جيل إلى آخر؟ 

 

شهدت العقود الأخيرة تطوراً ملحوظاً في الدراسات التاريخية التي تحاول إعادة الاعتبار لأصوات السكان المحليين وإدماجها في السردية التاريخية. ويقوم هذا التوجه على نقد المصادر الاستعمارية وعدم التعامل معها باعتبارها حقائق محايدة، بل بوصفها نصوصاً أنتجتها سلطة سياسية وعسكرية لها مصالحها الخاصة ورؤيتها للعالم. 

إن كتابة تاريخ العنف الاستعماري اليوم تقتضي تجاوز السجالات السياسية والذاكرات المتنافسة نحو فهم أعمق للبنى والآليات التي جعلت هذا العنف ممكناً. فيصبح من الضروري تحليل النظام الاستعماري نفسه بوصفه إطاراً أنتج الإقصاء والاستيلاء والعنف على نطاق واسع. كما أن هذا العمل يتطلب توسيع دائرة البحث لتشمل التجارب الجزائرية ومقارنتها بتجارب استعمارية أخرى، بما يسمح بفهم أوسع للظاهرة الاستعمارية وتداعياتها الممتدة. فالكثير من الآليات التي استُخدمت في الجزائر خلال القرن التاسع عشر، مثل مصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وفرض السيطرة العسكرية على السكان الأصليين، وإعادة هندسة المجال الديموغرافي، تجد بعض أوجه الشبه مع السياسات التي يتهم بها اليوم الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية. ورغم اختلاف السياقات التاريخية والقانونية والسياسية بين الحالتين، فإن المقارنة تظل حاضرة في العديد من النقاشات الأكاديمية والسياسية التي تتناول ظاهرة الاستيطان الاستعماري.

إن الإرث الاستعماري الفرنسي في الجزائر يفسر جانباً من الارتباك الذي طبع المواقف الفرنسية تجاه قضية الاستيطان في فلسطين عبر مراحل مختلفة. فالدولة التي ما زالت تواجه مطالب متواصلة بالاعتراف الكامل بجرائمها الاستعمارية تجد نفسها أمام أسئلة أخلاقية وتاريخية معقدة عند التعامل مع قضايا مشابهة تتعلق بالاستيطان وحقوق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث