عقدت أمس الجمعة في البنتاغون الجولة الأولى من المفاوضات الامنية التقنية بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي. ومن الواضح أن المهندس الأميركي تقصد ألا يباعد بين التقني من المفاوضات والسياسي الذي حدد موعده في 2 الشهر المقبل. فهو يدرك أن جولات التفاوض التي انطلقت أواسط نيسان/أبريل المنصرم، وعلى رغم من تعددها وتنوع مستوياتها، لا تزال في طور التمهيد لمرحلة الحسم في خيارات طرفي المفاوضات بشأن حزب الله، الذي استدرج الجولة الجديدة من الحرب تضامناً وإسناداً للإيراني.
من المفترض أن تكون إدارة ترامب على معرفة أن بين طرفي المفاوضات ومرحلة الحسم في القرارات مسافة طويلة من الصعوبات والعراقيل الداخلية والإقليمية لكل منهما. ومع ذلك، ولأسباب يأتي في مطلعها التعجل في تسجيل الإنجازات، أعلن ترامب في 16 نيسان/أبريل أن لقاءاً سيضم الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي سيعقد في البيت البيض بحضوره شخصياً.
وفي سياق متسق مع إعلان ترامب، نشر موقع الخدمة الروسية في "الحرة" الأميركية في 16 نيسان/ أبريل المنصرم نصاً تساءل في عنوانه "هل سيتحد لبنان وإسرائيل ضد حزب الله؟".
قد يبدو العنوان للوهلة الأولى أن فيه الكثير من التبسيط إلى درجة السذاجة، لكن تعليق وزير الخارجية الأميركية على جولة المفاوضات الأولى تلك بين لبنان وإسرائيل تخطت هذه السذاجة، وكذلك تسرع ترامب في دعوة جوزيف عون وبنيامين نتنياهو للقاء في البيت الأبيض. فقد أعلن ماركو روبيو حينها أن الجميع يتساءل عن وقف إطلاق النار، "لكن الحديث ليس عن ذلك". المسألة تتعلق بوضع حد نهائي لعقود من نفوذ حزب الله في هذه المنطقة. والأمر لا يتعلق بالأذى الذي يلحق بإسرائيل، بل بالأذى الذي لحق بشعب لبنان. ورأى ان من المهم أن نتذكر أن اللبنانيين هم أيضاً ضحايا حزب الله وعدوان إيران. "وهذا ينبغي أن يتوقف". وقال إن الإدارة الأميركية تدرك أن الخلاص من نفوذ حزب الله سيكون عملية طويلة بكل تعقيداتها، والتي لا يمكن حلها "خلال ساعات المفاوضات الست". وأكد أن الإدارة الأميركية مستعدة للبدء بالتحرك إلى الأمام ووضع أسس التغييرات الإيجابية الثابتة. "هدفنا هو مستقبل يستطيع فيه شعب لبنان أن يعيش الحياة التي يستحقها، ولا يضطر فيه شعب إسرائيل إلى الخوف من الهجمات الصاروخية التي تشنها الجماعات الإرهابية المدعومة من إيران".
طرفا المفاوضات يستعدان لمفاوضات الحسم المقبلة ويمهدان، كل بما يملك لحلولها. والفارق فلكي بين ما يملكه الطرفان في مرحلة المفاوضات التمهيدية الجارية الآن. إسرائيل المتفلتة من عقالها الأميركي المتحرك وفق متطلباتها في أغلب الأحيان، تراكم المزيد من القوة التي تراها في المزيد من احتلال الأراضي اللبنانية التي تعتبر أنها تنتزعها من حزب الله الذي يسيطر عليها منذ عقود، وليس من لبنان الذي تفاوضه في واشنطن. وهي اختصرت منذ البداية هذه الاستراتيجية بمعادلة "نحارب كأن لا وجود للمفاوضات، ونفاوض وكأن لا وجود للحرب". وهي تستند في الداخل إلى جبهة متراصة خلف قيادتها، تطالبها بالمزيد من الاحتلال وتدمير القرى، والتي تراها منصة لصواريخ حزب الله ومسيراته، وتهجير سكانها الذين تراهم بيئة حاضنة له.
في المقابل، الحديث عن استعداد لبنان لمفاوضات الحسم، هو حديث مجازي إفتراضي لا يملك من أسباب "القوة" سوى الشكوى من الغطرسة الإسرائيلية ومطالبتها بوقف العمليات الحربية والانسحاب من الأراضي التي أعادت احتلالها. وفي الداخل يصطدم بمقاومة شرسة من حزب الله الذي يتموه بلبوس لبناني، ويستكمل ما بدأه منذ نشوئه بتهديم الدولة اللبنانية وإفراغها من كل ما يشير إلى أنها دولة سيدة على أرضها وقرارها.
هذا الحزب ضد المفاوضات التي تجريها الدولة اللبنانية مع إسرائيل، لكنه مع المفاوضات الأميركية الإيرانية. هو ضد وقف إطلاق النار على يد الدولة اللبنانية، لكنه مع وقف إطلاق النار الذي قد تحرزه إيران، بل ويلح في مطالبة الملالي بإدراج هذا البند على قائمة شروطهم للعودة إلى المفاوضات مع أميركا وعقد الصفقة النووية المنشودة أميركياً. هو ضد ما يمنح الدولة اللبنانية من أسباب قوة في المجابهة السياسية مع إسرائيل، لكنه يسعى عبر الصواريخ والمسيرات للحلول مكانها في عملية التفاوض، والأفضل بإسم إيران وليس لبنان. ولا يضيره التقاطع مع إسرائيل في إضعاف الدولة اللبنانية لصالح أن تمسك إيران بالورقة اللبنانية والتفاوض بإسم لبنان.
عشية الجولة الأولى من المفاوضات مع إسرائيل، نشر في 11 نيسان/أبريل المنصرم موقع القناة الإسرائيلية التاسعة الناطقة بالروسية والموجهة إلى"الشارع الروسي" في إسرائيل نصاً تحدث فيه عن الاختلافات الجذرية بين لبنان وإسرائيل قبل إنطلاق المفاوضات. وقال في عنوان نصه "السلام مع لبنان أم هدنة مع حزب الله؟".
قال الموقع أن الإسرائيليين يرفضون محاولة اللبنانيين جمع المفاوضات بمسألة الصراع مع حزب الله في ملف واحد. وتشتبه إسرائيل في أن الهدف الحقيقي من مبادرة "التفاوض" هذه ليس التطلعات السياسية الحقيقية للقيادة اللبنانية، بل محاولة لوقف عملية التطهير الحالية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان من المسلحين.
موقع mn (أخبار موسكو) الروسي نشر في 26 الجاري نصاً تساءل في عنوانه عن سبب التصعيد الإسرائيليي في لبنان على خلفية مفاوضات السلام الأميركية الإيرانية.
قال الموقع إن بنيامين نتنياهو، وعلى خلفية نشر تقارير عن اتفاق سلام محتمل بين واشنطن وطهران، في 25 أيار/مايو، صرح بأنه سيتم تكثيف الضربات ضد جماعة حزب الله المسلحة الموالية لإيران في لبنان. وقبل ساعات من إعلان نتنياهو، صرح مسؤول أميركي لصحيفة تايمز أوف إسرائيل بأن واشنطن من المرجح أن "تعطي الضوء الأخضر" قريباً لعملية أكبر في لبنان، لأن حزب الله تجاهل سابقاً إنذار وقف إطلاق النار، وإسرائيل "لا ينبغي لها أبداً أن ترد بشكل سلبي على الهجمات التي تستهدف قواتها ومدنييها".
وفي تفسير آخر لسبب التصعيد الإسرائيلي الأخير غير الأسباب المباشرة المرتبطة بجبهة القتال مع حزب الله، نقل الموقع عن صحيفة الغارديان البريطانية أنها ترى السبب في استبعاد إسرائيل عن المفاوضات الأميركية الإيرانية. وأشارت صحيفة نيويورك تايمز إلى أن تل أبيب لا تتلقى تقارير فورية بشأن سير المفاوضات بين واشنطن وطهران، وتضطر إلى الاعتماد على البيانات الاستخباراتية.
ورأى الموقع أنه وفقاً لمنطق هذا التفسير، قد يكون التصعيد محاولة من قبل إسرائيل لإعادتها إلى المفاوضات. ومن خلال تصعيد الهجمات، في الوقت الذي تقترب فيه طهران وواشنطن من توقيع مذكرة سلام، يرفع نتنياهو ثمن موافقته على نص الوثيقة. ويُشار إلى أنه في اليوم التالي لإعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في 8 نيسان/ أبريل، كادت الضربات الإسرائيلية على لبنان أن تعطله.
كما يرى الموقع في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة سببباً إضافياً للتصعيد الإسرائيلي الأخير. ويشير إلى أنه في ظل الصراع العسكري المطول وعزلة تل أبيب عن عملية التفاوض، تتراجع نسبة تأييد نتنياهو.
من جانب آخر، أشار الموقع إلى أن إيران تصر على أن أي اتفاق سلام يجب أن يتضمن وقف إطلاق النار "على جميع الجبهات"، بما في ذلك لبنان. لكن إسرائيل ترفض ذلك، وتنظر إلى الصراع مع حزب الله على أنه منفصل عن الصراع مع إيران.




