بعدَ "التحرير" انسحبَ لبنان

سالي عليالجمعة 2026/05/29
يوم التحرير في جنوب لبنان عام 2000 (Getty)
لم يتحول إنجاز التحرير إلى مشروع دولة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

قبل خمسةٍ وعشرين عاماً، كان السؤال اللبناني واضحاً، مباشراً، وحادّاً: متى تنسحب إسرائيل من الجنوب؟ كان البلد، بالرغم من انقساماته، يعيش على إيقاع لحظةٍ بدت للكثيرين كأّنها نهاية مرحلة طويلة من الاحتلال والحروب والخسارات. يومها، بدا الجنوب اللبناني كأنه يعود إلى الخريطة بعدما عاش سنواتٍ معلّقة بين الشريط الحدودي والاحتلال والخوف والحواجز. كانت القرى تفتح أبوابها دفعةً واحدة، وكانت الطرقات المؤدية إلى بنت جبيل ومارون الراس والخيام تشبه مواكب عودة جماعية إلى شيء يشبه الكرامة الوطنية.

 

أما اليوم، في أيار 2026، فقد تغيّر السؤال تماماً. لم يعد اللبناني يسأل متى تنسحب إسرائيل، بل صار يسأل: من ينسحب أولاً، الدولة أم الناس؟ بينَ المشهدين ربع قرنٍ كامل، لكنه يبدو أحياناً كأنه قرنان. في سنة 2000 كان اللبناني يملك ترفَ الأمل، حتى ولو كان هشّاً. أما اليوم، فهو يعيش داخل بلدٍ يتآكل ببطء، كأنّ الانهيار لم يعد حدثاً طارئاً بل صار نمط حياة يومي. لم يعد الخوف محصوراً بالحدود الجنوبية، بل تمدّد إلى المصارف والمستشفيات والمدارس والكهرباء والعملة والقدرة على البقاء. كأنّ اللبناني الذي احتفل بتحرير الأرض قبل خمسةٍ وعشرين عاماً، وجد نفسه لاحقاً في مواجهة سؤال أكثر قسوة: ماذا ينفع تحرير الأرض إذا كان الإنسان نفسه محاصراً داخل دولة تتفكك؟

 

أرى أنّ المفارقة اللبنانية الكبرى تكمن هنا بالضبط؛ التحرير الذي حصل سنة 2000 كان حدثاً حقيقياً بكلّ المقاييس. انسحاب إسرائيلي بلا اتفاق، وانهيار جيش لحد، وصور الناس وهي تعبر نحو القرى المحررة، كلها وقائع صنعت لحظة نادرة في التاريخ العربي الحديث. حتى المختلفون سياسياً مع المقاومة يومها لم يستطيعوا إنكار أن ما جرى كان تحولاً كبيراً في الصراع مع إسرائيل. لكن، وعلى أرض الواقع لم يتحوّل ذلك الإنجاز إلى مشروع دولة. يومها، بعد التحرير، اعتقد كثير من اللبنانيين أنّ البلد دخل تلقائياً مرحلة الاستقرار. ساد وهمٌ جماعي بأن الحرب انتهت نهائياً، وأن لبنان يستطيع أخيراً أن يتحوّل إلى دولة طبيعية. عاد الحديث عن السياحة والاستثمارات والإعمار والازدهار، كأن التحرير وحده يكفي لبناء وطن. لكن السنوات اللاحقة كشفت أنّ المشكلة اللبنانية كانت أعمق بكثير من الاحتلال نفسه. فالدولة التي بدت واقفة على قدميها، كانت في الحقيقة تؤجل سقوطها فقط. وحين انفجر الانهيار الكبير بعد 2019، اكتشف اللبنانيون أن بلداً كاملاً كان يعيش داخل تسوية هشة، لا داخل دولة فعلية. كأن لبنان عرف كيف يحرّر أرضه، لكنه لم يعرف كيف يبني بلداً بعدها. بقي النظام نفسه، وبقيت الطائفية نفسها، وبقي الاقتصاد قائماً على الديون والمحاصصة والزبائنية. ومع مرور السنوات، بدأ الشعور الوطني الذي رافق التحرير يتراجع تدريجياً أمام انقسامات الداخل، إلى أن وصل البلد بعد 2019 إلى انهياره الكبير، فسقطت معه صورة الدولة نفسها.

 

وُلد بعد التحرير جيل كامل لا يحملُ ذاكرة الاحتلال بقدر ما يحمل ذاكرة الانهيار. هذا الجيل لا يتذكر الشريط الحدودي، بل يتذكر طوابير المصارف والهجرة الجماعية وانقطاع الكهرباء وسقوط الليرة. بالنسبة لكثيرين منهم، تبدو ذكرى 25 أيار حدثاً بعيداً، فيما معركتهم الفعلية اليوم هي البحث عن فرصة عمل أو جواز سفر أو حياة مستقرة خارج لبنان. هنا تصبح ذكرى التحرير أكثر تعقيداً من مجرد مناسبة احتفالية. تصبح مناسبة لطرح أسئلة مؤلمة عن معنى السيادة نفسها. هل السيادة هي فقط انسحاب جيشٍ أجنبي من الأرض؟ أم أنّ السيادة تبدأ أيضاً حين يشعر المواطن أن دولته موجودة فعلاً، وأن مستقبله ليسَ رهينة الانهيار الدائم؟ وهل يمكن حقاً لبلدٍ أن يحتفل بتحرير حدوده فيما مواطنوه يهربون منه كلّ يوم بصمت؟

 

في سنة 2000، كان اللبنانيون يختلفون على السياسة لكنهم كانوا ما يزالون يملكون صورةً ما عن الغد. أما اليوم، فالكثير منهم لا يرى الغد أساساً. وهذه ربما تكون الخسارة الأعمق التي أصابت لبنان خلال ربع قرن: ليس تراجع الاقتصاد فقط، ولا تفكك المؤسسات فقط، بل تآكل فكرة المستقبل نفسها. لهذا تبدو ذكرى التحرير هذا العام ثقيلة أكثر من أيّ وقت مضى. ليست لأن الجنوب لم يعد رمزاً للصمود، بل لأنَّ اللبناني صار يشعر أن معركته لم تعد فقط مع عدوٍ على الحدود، بل أيضاً مع وطنٍ ينهار من الداخل ببطءٍ قاتل. وربما لهذا السبب بالذات، يعود السؤال اللبناني اليوم أكثر وجعاً من أي وقت مضى: إذا كانت الأرض قد تحرّرت سنة 2000  فمن يحرّر اللبنانيين اليوم من هذا الخراب المفتوح؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث