مصر في ظل الحرب: المزيد من القمع

شادي لويسالأربعاء 2026/05/27
الشرطة المصرية.jpg
تواصل الأجهزة الأمنية حملتها المعتادة ضد كل أشكال التعبير السياسي (الأرشيف)
حجم الخط
مشاركة عبر

بلا هوادة، تواصل الأجهزة الأمنية في مصر حملاتها ضد كافة صور المعارضة أو العمل السياسي و الحقوقي. مطلع الأسبوع الجاري، ألقي القبض على ثلاثة من أعضاء لجنة الدفاع عن سجناء الرأي، هم المحامي الحقوقي ومقرر اللجنة محمد أبو الديار، والناشطة السياسية حنان طنطاوي والمحامية وفاء المصري. وكانت قوات الأمن قد داهمت منازلهم في توقيت متزامن بغرض الترهيب، وجاء ذلك على خلفية معرض لصور للسجناء السياسيين نظمته اللجنة بمشاركة عدد من أهالي السجناء. لا جديد في نوعية الاتهامات الموجهة إلى أعضاء اللجنة، اللائحة المعتادة التي تترواح ما بين الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

 

تعيد القضية التأكيد على تراجع حدود النشاط السياسي في مصر إلى مساحة العمل الحقوقي، وبالأخص ملف السجناء السياسيين المتخم. موجات المد والجزر لحملات "الأبواب الدوارة" وقوائم الإفراج وملحقاتها من"الحوارات الوطنية" تبدو ناجحة في إجهاد بقايا المعارضة ووضع القلائل من القادرين على المخاطرة بالفعل السياسي في ركن الفعل الرمزي، وفقط داخل المقرات المغلقة للأحزاب والجمعيات الحقوقية. ولا تبدي الأجهزة الأمنية أي قدر من التسامح تجاه مبادرات الحد الأدنى تلك، ليطول السجن السياسي لجان الدفاع عن السجناء السياسيين، وكما حدث في الماضي تم توجيه اتهامات إلى محامي الدفاع عن متهمين في قضايا الرأي. 

 

بعد السابع من أكتوبر واندلاع سلسلة الحروب متعددة الجبهات التي هزت المنطقة والعالم أجمع، كان هناك قناعة في بعض أوساط المعارضة المصرية يدفعها التمني لا أكثر، ومفادها أنه في ظل تأزم إقليمي غير مسبوق وتعرض البلاد لمخاطر فادحة على أكثر من مستوى، سيحتاج النظام إلى توحيد الجبهة الداخلية. وتبدت تلك القناعة في صورة دعوات موجهة إلى سلطة السياسية تحثها على الشروع في عقد مصالحة وطنية بشكل عاجل، أما البعض الآخر فتبرع بالإعلان عن "الاصطفاف" خلف القيادة السياسية نظراً للظرف الإقليمي الحرج. وبالطبع تجاهلت السلطة تلك الإعلانات التي لم تطلبها بالأساس. 

بعد التلويح الإسرائيلي المتكرر بدفع الغزيين عبر الحدود إلى سيناء، ارتكبت السلطة في مصر خطأ باستدعاء الجمهور للنزول إلى الشوارع والتظاهر، وكادت الأمور أن تفلت من يدها، لولا تراجعها سريعاً والشروع في قمع أي مظهر للاحتجاج على المذبحة الإبادية في القطاع. وبالتوازي واصلت الأجهزة الأمنية حملتها المعتادة ضد كل أشكال التعبير السياسي. مرة أخرى ومع اندلاع الحرب في الخليج العربي، بتبعات أقتصادية أوسع وبخلخلة أعمق للترتيبات الإقليمية، تعيد السلطة المصرية التأكيد على استمرار سياساتها الداخلية كما هي بلا تغيير. 

 

في ظل الأزمات الإقليمية كما في الظروف غير الاستثنائية، لا تنظر السلطة في القاهرة إلى مواطنيها سوى بوصفهم عبئاً. الجمهور، هذا الثابت الرياضي لا يدخل في معادلات الحسابات السياسية للسلطة. الحالة الوحيدة التي أبدت فيها اهتماماً بهم، كانت على اعتبارهم حشوداً يتم هندستها أمام الكاميرات، وذلك لاستخدام صورهم كورقة مساومة مع الخارج. التهديدات التي يحملها تداعي النظام الإقليمي، لا تدفع النظام لمصالحة، بل على العكس، تخدم خطابه القمعي المتمحور حول الخطر، سواء داخلي أو خارجي. 

وبالرغم من التبعات الاقتصادية المتوقعة للحرب على المديين القصير والمتوسط، لا تشعر السلطة في مصر بأنها أكثر هشاشة، بل على النقيض، حيث توفر الظروف المضطربة في المنطقة فرصة بعد أخرى للقاهرة لاستعاده بعضاً من أوزانها الإقليمية بوصفها عامل استقرار لا يمكن الاستغناء عنه. تتجاوز الدبلوماسية المصرية ملف غزة، لتصبح طرفاً فيما يجري في لبنان، بل وحتى شريكاً على أكثر من مستوى في جهود الدفاع في منطقة الخليج والمفاوضات الدبلوماسية لإيقاف الحرب هناك. اللافت هو أن المرونة التي تبديها النظام المصري في الخارج ودبلوماسيته البراغماتية لا تنعكس بأي قدر في الداخل، بل وعلى الأرجح تقوده إلى مزيد من التصلب في مواجهة مواطنيه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث