أثار التعميم الأخير الصادر عن نقابة المحامين في سوريا، الذي تضمّن نشر قوائم تضم مئات الأسماء ومنع أصحابها من تنظيم أو تعديل أو تجديد الوكالات، جدلاً واسعاً في الأوساط القانونية والمهنية. فالمسألة هنا لا تتعلق بالنوايا ولا بالرغبة في حماية حقوق الضحايا أو منع تهريب الأموال، بل تتعلق قبل كل شيء بحدود الدور الذي يمكن لنقابة المحامين أن تمارسه ضمن إطار دولة القانون.
فالنقابة مهما كانت دوافعها، ليست جهة تحقيق ولا جهة ضبط ولا سلطة وصاية على أموال الناس، ولا يجوز لها أن تتخذ إجراءات تمسّ حقوق الملكية أو تقيّد حرية التصرّف دون سند قضائي صريح. إنّ نشر قوائم بأسماء أشخاص لم يصدر بحقهم أي حكم قضائي وربطهم بجرائم جسيمة قبل المحاكمة يشكّل انتهاكاً واضحاً لقرينة البراءة، وهي قاعدة دستورية راسخة تؤكد أنّ المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي قطعي. بل إنّ وجود أسماء لأشخاص متوفّين ضمن القوائم يطرح سؤالاً إضافياً حول مصدر هذه البيانات ومدى دقتها، ويكشف أن التعميم لم يُبنَ على تحقيق قضائي، بل على قوائم غير مدقّقة لا يجوز أن تكون أساساً لأي إجراء يمسّ حقوق الأفراد.
وحتى لو افترضنا جدلاً أنّ جميع الأسماء الواردة في الجداول متورطة فعلاً بجرائم، فإنّ تجريم الأشخاص أو تقييد حقوقهم ليس من اختصاص النقابة. فالقضاء وحده هو صاحب الولاية في إصدار الأحكام وفرض العقوبات واتخاذ التدابير الاحترازية مثل الحجز الاحتياطي أو منع التصرّف أو وضع الإشارات على السجل العقاري. وهذه الإجراءات لا تُتخذ إلا بقرار قضائي معلل صادر عن جهة تملك الاختصاص وتحت رقابة قانونية واضحة.
أما النقابة فدورها محدد في قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 30 لعام 2010، والذي يبيّن بوضوح أن صلاحيات النقابة تقتصر على تنظيم المهنة، حماية المحامين، صون حق الدفاع، والإشراف على آداب المهنة، لا ممارسة دور الدولة أو القضاء. فالقانون لا يمنح النقابة أي سلطة تتعلق بحقوق المواطنين أو ملكياتهم أو أهليتهم المدنية، ولا يجيز لها اتخاذ تدابير تمسّ حقوق الغير. وهذا يعني أن النقابة لا تستطيع أن تمنع مواطناً من تنظيم وكالة، ولا أن تعتبره فاقداً لحقوقه المدنية، ولا أن تفرض على المحامي الامتناع عن تقديم خدمة قانونية لشخص لم يصدر بحقه حكم قضائي.
وقد يردّ البعض بأنّ من حق النقابة إلزام أعضائها بهذا التعميم، وأنّ النقابة تخاطب المحامين لا المواطنين. لكن هذا الاعتراض يسقط أمام قاعدة قانونية بسيطة: النقابة تستطيع إلزام المحامي بما يدخل ضمن اختصاصها، لكنها لا تستطيع إلزامه بما لا تملك هي أصلاً سلطة القيام به. فالنقابة تملك سلطة تنظيم السلوك المهني، وضبط آداب المهنة، وإصدار تعليمات داخلية تتعلق بالممارسة المهنية، لكنها لا تملك سلطة إصدار تعليمات تمسّ حقوق الغير أو تقيّد حقوق الملكية أو تمنع مواطناً من ممارسة حقه المدني في تنظيم وكالة.
المحامي ليس موظفاً لدى النقابة، بل صاحب مهنة حرة، والنقابة ليست سلطة عامة تملك تقييد حقوق المواطنين. التعليمات المهنية شيء، وفرض تدابير تمسّ حقوق الملكية شيء آخر تماماً. ولا يمكن للنقابة أن تجبر المحامي على الامتناع عن تنظيم وكالة لشخص لم يصدر بحقه قرار قضائي، لأن ذلك يشكّل مخالفة قانونية وتمييزاً بين المواطنين واعتداءً على حق الملكية. التعليمات الداخلية لا تعلو على القانون العام، ولا يمكن استخدامها لتجاوز اختصاص القضاء أو السلطات العامة.
ولا تقتصر الإشكالية على مشروعية التعميم فحسب، بل تمتد إلى آثاره المباشرة على مهنة المحاماة. فالتعميم، بصيغته الحالية، يخلق حالة من الارتباك داخل الوسط المهني، ويضع المحامي أمام تضارب واضح بين التزامه بالقانون والتزامه بتعليمات النقابة. فالمحامي الذي يمتنع عن تنظيم وكالة لشخص لم يصدر بحقه أي قرار قضائي، بناءً على تعميم نقابي، قد يجد نفسه في مواجهة مسؤولية قانونية أو مدنية، لأنه مارس تمييزاً بين المواطنين دون سند قانوني. وهذا يضعف الثقة بالمحامي وبالمهنة، ويحوّل النقابة من جهة حماية إلى جهة قد تدفع أعضاءها إلى مخالفة القانون.
كما أن التعميم ينعكس سلباً على حق الدفاع، وهو جوهر مهنة المحاماة. فحرمان أشخاص من تنظيم الوكالات، حتى لو كانوا مشتبهين، يعني عملياً تقييد قدرتهم على توكيل محامٍ للدفاع عنهم في قضايا مدنية أو مالية أو إدارية، وهو ما يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون. إضافة إلى ذلك، فإن نشر قوائم اتهام خارج القضاء يخلق مناخاً من الخوف داخل المهنة، ويجعل المحامي يتردد في قبول أي وكالة خشية أن يُنظر إليه على أنه يدافع عن مشتبه بهم، وهو ما يضرب استقلالية المحامي في الصميم.
وأيضاً سيفتح التعميم الباب أمام تسييس المهنة، إذ يمكن لأي جهة لاحقاً أن تضغط لإضافة أسماء أو حذفها، أو استخدام التعميم كأداة للضغط الاجتماعي أو السياسي. وهذا يهدد استقلال النقابة نفسها، ويحوّلها من مؤسسة مهنية إلى جهة تنفيذية تتلقى قوائم وتعممها دون تحقق أو سند قضائي. مما يضعف ثقة الجمهور بالنقابة وبقدرتها على اتخاذ قرارات دقيقة ومسؤولة. أما على مستوى العلاقة بين النقابة والقضاء، فإن التعميم يخلق انطباعاً بأن النقابة تتقدم على القضاء أو تحلّ محله في اتخاذ تدابير احترازية، وهو ما يضرّ بمبدأ فصل السلطات، ويضعف مكانة النقابة كمؤسسة تدافع عن سيادة القانون.
النقابة التي تتجاوز حدود اختصاصها قد تواجه صعوبة لاحقاً في الاعتراض على أي تجاوز يصدر عن جهات أخرى، أو عندما يتعرض أحد أعضائها لتصرفات غير مقبولة، كما حدث مع أحد الزملاء قبل أسبوع في مخفر شرطة جرمانا، وهو ما يبرز أهمية أن تبقى النقابة متمسكة بدورها الأساسي في حماية المحامين وتعزيز مكانتهم في إطار الدستور والقانون.
باختصار، ليس الهدف من هذا النقد الدفاع عن أي شخص متورط بارتكاب جرائم. فمن يرتكب جريمة يجب أن يُحاسَب أمام القضاء وبأشد العقوبات. وإذا كانت هناك خشية من تهريب ممتلكات أو أموال من قبل المشتبه بتورطهم بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري، فيمكن للنقابة أن تنبّه الجهات المختصة وعلى رأسها القضاء، ليقوم بدوره الطبيعي في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
فالدور الحقيقي للنقابة أسمى بكثير من ذلك، فهي وجدت لتحمي حقوق الناس وتدافع عن المظلومين في الماضي والحاضر والمستقبل، وتصون حقوق أعضائها، وتحمي أخلاقيات المهنة، وترسخ سيادة القانون.




