اتصل ترامب بقادة دول في الشرق الأوسط، خلال الساعات التي شاع فيها أن توقيع مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران بات وشيكاً. خبر اتصال ترامب بالقادة أتى كتأكيد على التوجه نحو إبرام التفاهم، فهو يتصل كمن يطلب سلّماً للنزول من المئذنة التي صعد إليها بمفرده، وفوجئ بنفسه وحيداً في الأعلى! أما الكلام عن مطالبته هؤلاء القادة بالانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية فهو نوع من جائزة ترضية للحليف الإسرائيلي.
بدأت الحرب الأخيرة على إيران تحت عنوان القضاء على البرنامج النووي، وسرعان ما خطف مضيق هرمز الأضواء، بسبب تأثيره على تجارة النفط، وما جرّه من خسائر ضخمة جداً لم يحن وقت إحصائها بعد. أيضاً بدا كأن طرفي النزاع متواطئان على دفع المضيق إلى صدارة الاهتمام؛ كلٌّ منهما لمبرراته الخاصة، ومن دون اعتبار واضح للمتضررين الآخرين من إغلاقه.
هي المرة الثانية التي يقفز فيها النفط إلى صدارة الاهتمام بسبب قطع الإمدادات على نحو متعمّد. المرة الأولى كانت قراراً من دول الخليج بقطعه في العام 1973 فيما عُرف بصدمة النفط الأولى، والواقع أن الصدمات اللاحقة كانت آثاراً جانبية لحدث ما، مثل ثورة الملالي في إيران في العام 1979 وحرب الخليج الثانية. إذن، هذه هي المرة الثانية التي يُستخدم فيها النفط مباشرةً كسلاح، والمرة الأولى التي يقفز فيها مضيق هرمز إلى الصدارة بوصفه سلاحاً أيضاً.
أغلب الظن أنها ستكون المرة الأخيرة، بما أنَّ المتورّطين في استخدام المضيق على هذا النحو لا يريدون استمرار الوضع الحالي. وهي الأخيرة لأن النفط سيفقد مكانته الاستراتيجية كسلاح، والصدمة الجديدة بسبب الحرب ستسرّع الاتجاه إلى الاعتماد على مختلف أنواع الطاقة البديلة، خصوصاً في الدول ذات الاقتصاديات الكبرى، وهي المعنية أكثر من غيرها بالصدمة الأخيرة.
على سبيل المثال، خلال السنوات القليلة الأخيرة تحوّلت باصات النقل الداخلي في فرنسا من الاعتماد على البنزين إلى الاعتماد على الغاز، وأخيراً الاعتماد على الكهرباء بوتيرة متسارعة جداً. وأيضاً صارت الكهرباء هي المعتمدة للتدفئة من أجل الأبنية الحديثة كلها، مع إحلال للكهرباء محل الغاز في الأبنية القديمة. وثمة تشجيع للسيارات التي تعتمد كلياً على الكهرباء، والمخطط في الاتحاد الأوروبي أن لا تبقى سيارات عاملة على النفط بحلول العام 2035. التوجه إلى الاستغناء عن النفط والغاز يتغذّى من عاملين، الحرص على البيئة، وتجنّب سلاسل التوريد القلقة فيما يخص النفط والغاز، سواء من منطقة الشرق الأوسط أو من روسيا.
المسألة ليست كما تُطرَح في المنطقة بتسرّع، ومفادها البحث عن بديل لمضيق هرمز، إنها في كون الدول المعنية بتدفق الإمدادات أخذت الطريق الأفضل والأسلم من خلال البحث عن بدائل للنفط والغاز. لن تكون أوروبا تحت هاجس البحث عن خط بديل، على مثال الصورة التقليدية عن كون النفط هو عصب الحياة في الغرب؛ على الأقل اهتزت تلك الصورة بقوة، وفي سنوات قليلة ستصبح من الماضي. نفترض أن هذا ما تدركه جيداً الدول المصدِّرة للنفط والغاز، والمهلة الزمنية المحدودة للاستغناء عن الاثنين تدفعها إلى التمسك بمضيق هرمز قبل إحالته إلى التقاعد، أكثر بكثير من التفكير في بديل عنه.
لكن التغير لا يتوقف عند كون النفط سلعة استراتيجية فقدت ميزتها، فمن المعلوم أن المنطقة ككل، بالميزان الاستراتيجي، كانت لصيقة بالنفط، بل يجوز النظر إلى القرن العشرين (من أحد جوانبه) بوصفه قرن النفط والصناعات المتصلة به. الآن، لم يعد خيالاً أو تنبؤاً الكلام عن عالم تتوارى فيه أهمية النفط، وتتوارى معه أهمية الشرق الأوسط ككل. بل إن التفكير في العالم الجديد بات واجباً، وليس ترفاً على الإطلاق.
وأول ما يتبادر إلى الأذهان أن الاقتصاديات النفطية ستشهد تراجعاً، وهذا ما ينعكس تالياً على المكانة السياسية لها. إلا أن معظم الدول النفطية قد تحسّبت لانتهاء حقبة النفط، من خلال صناديق ادخار واستثمار تخفّف من صدمة النفط المعكوسة هذه المرة. الأثر المتوقَّع سيكون على أطراف الاقتصاديات النفطية، حيث سيتأثر العديد من البلدان بتراجع الإنفاق الخارجي لدول النفط، في بلدان تعتمد إلى حد كبير على المساعدات النفطية، وهي اليوم بحاجة ماسة لها.
أبعد من ذلك التغير المباشر، من المرجَّح أن يفقد الغرب اهتمامه بالمنطقة، بما أن الاهتمام قائم أساساً إلى حدّ كبير على عاملَي النفط والهجرة. وفي أشد أوقاته ارتباطاً بالمنطقة لم يسعَ الغرب إلى معالجة الأسباب الجذرية للجوء والهجرة، لذا لا يُتوقَّع أن يحيد عن سياساته التقليدية في هذا المضمار، إلا لمصلحة سياسات حمائية أكثر تشدداً يرفع رايتها حالياً اليمين واليمين المتطرف اللذان يتقدّمان انتخابياً في معظم البلدان.
ومهما قيل في السياسات الغربية، ومنه ذمٌّ مستحق، فالانسحاب الغربي من المنطقة لن يكون "أرأف" مما قبل. إذ إن الوجود الغربي، على علاته، أدّى أحياناً دور الضابط لقوى إقليمية من الضروري خضوعها للضبط، حتى إذا لم يكن هذا الدور مقصوداً بذاته ولذاته. ليس نظرياً فقط أن القوى الإقليمية، مثل تركيا وإسرائيل قد تجد فرصة أفضل للاستقواء إقليمياً مع انقضاء الزمن الغربي في المنطقة، ولا شكّ في أن طهران متحفّزة أيضاً لاسترجاع هيبتها الإقليمية حالَ حصولها على اتفاق مع واشنطن يسمح لها باسترداد المليارات المجمّدة بموجب العقوبات الأميركية.
السؤال عمّا بعد مضيق هرمز؛ أي عمّا بعد النفط، يجب أن يكون اليوم في صميم النقاشات في المنطقة، تحديداً في الدول غير النفطية، التي قد تكون متأثّرة بالحقبة الجديدة أشد من تأثّر الدول المنتجة للنفط. قضايا مثل التنمية وعلاقتها بالأنظمة السياسية من المرجّح أن تصبح ملحّة جداً في المدى المنظور، مع التراجع الاضطراري في الاعتماد على المساعدات وعلى الاقتصاد الريعي عموماً. لعل الإنذار الذي وجّهتْه الحرب على إيران يكون مفيداً من هذه الزاوية، لا من تلك الزاوية التي يعتقد فيها البعض أن السياسة قد تسير بمنطق "مصائب قوم عند قوم فوائد".
بالطبع قد لا يكون انسحاب الغرب شراً بالمطلق، فيما لو أدّى إلى أن تجد بلدان المنطقة نفسها مضطرة للاستقلالية والاعتماد بعقلانية على الذات. هذا لن يحدث فوراً وتلقائياً، في بلدان اعتادت على أن يقول الخارج كلمته في شؤونها الداخلية، قبل أن يقولها في سياساتها الخارجية إن وجدت. سيكون طريق الاستقلالية طويلاً ووعراً جداً، لكن يبقى الأهم ألا يُنظر بعد عقود إلى الوجود الغربي بوصفه فرصة مضيَّعة.




